أخر الاخبار
...
...

تمازيغت

أخبار جهوية

أخبار وطنية

أخبار محلية

أخبار العالم

MELILLA

الفن والذاكرة

البيئة

السبت، 30 أغسطس، 2014

إعْــفوني من قائمة إحــصائكم


بقلم: حسن الحافة
أوشكت عملية الإحصاء على الإنطلاق وسيشرعون في طرق المنازل و ملئ الإستمارات، و سيطرحون الأسئلة و سيجمعون المعطيات. و لكي أعفيكم من عناء المجيئ لحدود الدوار الذي أقطن فيه، سأخبركم من أنا، سأوافيكم بكل المعلومات التي تريدون معرفتها و حتى التي ستغمضون أعينكم عنها.
سأنقل لكم حياتي كشريط ستشاهدونه و ليس فقط أرقام و أمكنة، بل تجريد لحياة أتقاسمها مع الآلاف من مَنْ ستحصونهم كقطيع ماشية، لا فرق بين الرعيّة و الماشية فكلهما يحتاج لراعي كي يحرسه و يَعُدَهُ مساءا، ومن تمرد على القطيع فجزائه السلخ أو البيع.
إسمي حسن الحافة هكذا وجدتهم ينادوني حين وعيّت على الحياة، وُلدت من رحم مُعاناة إمرأة قروية لم تلج مدرسة ولم تعرف شكل الطاولة، إلا حين رافقتني أول مرة للمدرسة. سجلوا أن أمــي أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة، لكنها ربتنا على حب الوطن بطريقة تختلف عن حبكم له. دوارنا حين ستأتون إليه لن تجدوا طريقه مُعبدة و ستقابلكم كلاب ضالة عند مدخله، لا تخافوا حين تنبح فهي مثل سكانه، مسالمة حد الخنوع، الشيئ الذي يجعلك تشفق عليها أكثر من رميها بحجرة.
أنا إبن مغربكم غير النافع، الذي لا تتذكرونهم سوى في حملاتكم الإنتخابية أو حين تريدون إحصاء الجثث الساكنة في جحوره، لا تعتقدوا أن من سيقابلكم بالمداشر و القرى هم بشر، إنهم بقايا بشر.
ولجت المدرسة و في أول يوم وجدت أمي تحضر لي إفطارا مُختلفا عن الأيام العادية، كانت تعتقد أن التعليم في هذا الوطن يمكن أن يؤدي للوظيفة فبنت حلمها عليّ، لم تعرف المسكينة ــ بسبب جهلها ــ أن نظامنا التعليمي يؤدي لثلاث: السجن أو البطالة وفي أحسن الحالة “حلوف” بشهادة لدى صاحب ضيعة.
فخريجوا المغرب المنسي لا يملكون أسماء عائلية و لا نسبا شريفا يُخول لهم التوظيف، فمن ولدوا و في فمهم ملعقة من ذهب إستولوا على البلاد وشرعوا في إحصاء العباد كي يعرفوا كم مات من جراء “الفقسة”، ومن قتله الجحود، و كم عدد من يجر شهاداته و يطرق باب شركاتهم برابطة عنق إستلفها كي يبدوا جميلا.
تحصلت على شهادة الباكلوريا و لم أجد بُداً من ولوج الجامعة، فهي المشجب الذي يعلّق عليه أبناء الفقراء أحلامهم، يُمَنونَ النفس بالتخرج و الحصول على وظيفة تنقذهم و أسرهم من مستنقع الفقر و الحاجة، فتفاجأوا أن المغرب يجمع بين حدوده الجغرافية نوعين من السكنى: مواطنون مع وقف التنفيذ وآخرون نفذوا مجازرهم في حقنا.
فلا تنسوا أن تضعوا خانة إضافية تصنفوننا فيها، فهل يستوي من يملك الثروة مع من يملك الحسرة. فربما بفعلكم هذا تُرشدون من يبحث عن الثروة للذين يستولون عليها.
والدي رجل بدوي بدوره لم يمسك قلما في حياته، إلا حين طلب منه “المقدم” أن يوقع أسفل شهادة السكنى، لم يجد طبيبا يداويه حين أصابه مغص حاد كاد أن يؤدي بحياته، هو يريد طبيبا ولا يريد أن تُحصوه، يريد حقه في كرامة يحس بها مفقودة وسط حضن بلد إقتسموه كما تقتسم الذئاب جثة جيفة، كذبوا علينا حين قالوا : “الوطن للجميع”، فأبي لا يحس بنفسه في وطن بل في سجن كبير. هو لا يستطيع قول هذا بل عيناه هي ما يخبرني بذلك.
أعلم جيدا أني لست سوى رقم في بطاقة تعريف وطنية، و ستجعلون مني رقما آخر فيسجل إحصائكم، لم تعد لعبة الأرقام تستهويني، أريد أن أكون مواطنا لا يجتر خطابا أدمنتم على إذاعته في قنواتكم، سأخبركم شيئا كي تضيفوه. أنا لقيط الوطن.
لا تسألوني كم أقبض آخر الشهر، فليس في دوارنا من يحتكم لراتب شهري، كلهم يشتغلون بيومهم مثل عبيد في زمن النخاسة، لن تحتاجوا كي تسألوهم، ستخبركم بذلك تجاعيد وجوههم، وستنقل لكم رائحة البول المُتسربة من فراش إبنهم كيف يعيشون.
لن تجدوا ما يثير في حياتنا، فهي مثل مسلسل يعيد بث نفس حلقاته كل يوم من كل شهر في كل سنة، فلا تضيعوا وقتنا بأسئلتكم، فيوم كنتم تطبلون لدستوركم، كنت حينها أحمل لافتة كتب على ظهرها ” لا نريد دستوركم”. و مرت سنين وها أنا سأعفيكم من سؤالي.
فها أنا أصرح لكم بمن أكون فلا حاجة لكم لترسلوا من يدق بابنا صباحا.









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ©2013