أخر الاخبار
...
...

تمازيغت

أخبار جهوية

أخبار وطنية

أخبار محلية

أخبار العالم

MELILLA

الفن والذاكرة

البيئة

الثلاثاء، 6 يناير، 2015

مغرب التناقض وانقسام الدولة حول نفسها




مغرب التناقض وانقسام الدولة حول نفسها
بقلم//رشيد الحاحي
عندما يتابع المرء تدابير الدولة وسياساتها في المغرب، وعندما يتمعن في بنيتها وتركيبة المؤسسات وتوجهات الفاعلين فيها وانتماءاتهم السياسية والثقافية والإيديولوجية، يجد نفسه لا شك أمام مشاهد وإجراءات وخطابات وممارسات متباينة، وأحيانا متناقضة رغم ما تبديه للوهلة الأولى من انسجام وتكامل. فالكل في المغرب يجد موطئ قدم بشكل من الأشكال داخل سياسات الدولة وتدابيرها بمختلف الحساسيات والتيارات والتوجهات الثقافية والسياسية والإيديولوجية، لكن على مستوى القرار العام وتطوير الدولة والمجتمع يطرح السؤال: هل الدولة في المغرب كل منسجم فعلا، أم أنها بدورها منقسمة حول نفسها، كما المجتمع والقوى السياسية والمدنية والثقافية؟
فداخل الدوائر العليا للقرار السياسي والتدبير الإداري والعمل المؤسساتي، ورغم الحرص على إثبات صورة الانسجام وخدمة الدولة والالتزام بخياراتها الموحدة، كثيرا ما يطفو تباين الرؤى والمقاربات والقناعات، وتحين كل طرف لأدنى فرصة مواتية لجر الأمور والتدابير في اتجاه انتظاراته الفعلية وانتمائه المضمر ومصلحته الخاصة، مما يحول ممارسة السلطة وتدابير الدولة إلى حقل ملتبس يقوض الإحساس بالثقة في الدولة وفي تدابيرها، ويزكي اليأس وثقافة الانتهازية والفئوية.
جدير بالتوضيح أن الأمر هنا لا يتعلق بمستوى الاختلافات السياسية داخل دائرة الممارسة والصلاحيات الحكومية، وبالنقاش البرلماني الوهمي، وبصراع المعارضة والحكومة المائع، بل أكثر من ذلك، فما نقصده انقسام الدولة من منظور مقاربة السياسات والتدابير والخيارات العامة والإستراتيجية، وفي أعلى دوائر القرار والتدبير السياسي والإداري والثقافي، حيث يتضح انقسامها على المستوى الفكري والمؤسساتي وحتى الشخصاني بين القوى المحافظة والإصلاحية، وبين التحديثيين والتقليدانيين، وبين السياسيين والتكنوقراطيين، وبين الديمقراطيين والاستبداديين، وبين النزهاء والمفسدين، وبين الاجتماعيين واللبراليين، وبين الموالين فعلا للمغرب ومستقبله الوطني والموالين لأطراف أخرى والمنفذين لأجندة مكشوفة.
وتتضح أكثر هذه المفارقة التي تتجاوز مستوى التكوين والمقاربات التدبيرية واختيارات الأشخاص إلى صعيد بنية الدولة والحكم، من خلال تاريخ الدولة ذاتها، وعلاقاتها الظاهرة والمضمرة مع دول أخرى، وبنية التناقض التي تحكم طبيعة المؤسسات وأدوارها، وآلية التلفيق والمناورة التي تؤجل الحسم في الخيارات وتفعيل الإصلاحات، وتغذي وتوظف صراع المكونات والتوجهات. 
ومهما كان مستوى قوى التغيير الفعلي والإرادات وتحول السياقات ووضوح الصورة والمآل، فإن انقسامية المجتمع وسلطوية الدولة وتصلب الفئات والمجموعات المهيمنة والمستفيدة تستطيع تجديد مقاومتها لكل تغيير فعلي وحسم واضح، واستيعاب المفاهيم والآليات الجديدة وتفريغها من محتواها وأدوارها الحقيقية، بما في ذلك مفاهيم حقوق الإنسان والتعدد الثقافي واللغوي والتحديث والتنمية البشرية، وآليات الديمقراطية وتوزيع السلط والجهوية والحكامة والشفافية... لتبقى وثيرة التحول بطيئة وفعل ومفعول التغيير والتطوير سطحيا، لأنه لا ينفذ إلى عمق البنية المتحكمة والبرديكم المكرّس والمتوارث. 
الأمثلة كثيرة وأشكال وتجليات هذا الانقسام تكاد تكون اللازمة التي تطبع الممارسة السياسية وعمل مؤسسات الدولة وخطابها وتدابيرها الكبرى. فبشكل عام يتضح اضطراب قرار الدولة وعدم الحسم في اختيارها ووجهتها بكل وضوح، فتظهر تارة بمظهر التحديث والعصرنة، وتارة أخرى بمظهر التقليد الموغل في الماضوية. فخيارات الدولة معلقة بين الحداثة والتقليد، بين الحرية والتقييد، بين الديمقراطية والاستبداد، بين المستقبل والماضي، بين العلم والجهل، بين الحقيقة والوهم والزيف... لهذا تبقى منقسمة على ذاتها، يصارع نصفها أو جزؤها المتنور المتطلع إلى الأمام جلها المثقل المشدود إلى الوراء والماضي.
على المستوى الحقوقي، صادق المغرب على المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان ودستر سمو المعاهدات الدولية عن القوانين الوطنية ورفع تحفظاته عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واحتضن المنتدى العالمي لحقوق الإنسان، لكن في المقابل مجلسه العلمي الأعلى يصدر فتواه الشهيرة بقتل المرتد، ورئيس حكومته يدعو المرأة للعودة إلى البيت لأن الخارج والعمل والسياسة والفن ضد فطرتها ومن طبيعة واختصاص الرجال، والدولة تستمر في قمع الاحتجاجات السلمية والتضييق على الحريات والإطارات الحقوقية، كما حصل مؤخرا خلال قمع مسيرة تضامنية سلمية لتودا ن إيمزيغن بالدارالبيضاء تضامنا مع المناطق والمواطنين المتضررين من الأمطار الأخيرة، إضافة إلى استمرار الدولة في تهميش العديد من المناطق والجهات وحرمان المواطنين من حقوقهم اللغوية والثقافية والسوسيو اقتصادية.
على الجانب الآخر من المشهد، تعرف البلاد خطابا متضخما حول التنمية والإصلاح والمخططات بكل ألوان الطيف، وملايير الدراهم تصرف وعشرات المشاريع تدشن، لكن جل الفاعلين وشرائح المجتمع والدولة ذاتها يرددون خطاب الأزمة ويتفقون على فشل الإصلاحات وينتقدون تدابير الدولة وازدياد الفقر والفوارق الاجتماعية واختفاء الثروة، وأجمعوا على أزمة قطاعات حيوية ومصيرية وعلى رأسها التعليم والمنظومة التربوية والصحة. 
كما كشف تهاطل الأمطار بعدة مدن ومناطق الجنوب غير المنتفع خلال الأسابيع الأخيرة عن واقع التهميش الفعلي وهزالة الاستثمارات والبنيات التحتية وما يشوب مشاريعها من رداءة وفساد، كما استمرت الطبيعة في افتحاصها لمشاريع الدولة بما في ذلك القناطر والطرقات والمنشآت والملاعب...، وقدمت تقاريرها الفاضحة في الحين، فيما فضلت الحكومة ووزراء القطاعات المعنية بشكل مباشر بالفضائح التي وقعت، دفن رؤوسها في الرمل والتملص من المسؤولية وإلقاء الحبل على الغريب أو الغيب.
مغرب التناقض يقر أيضا بتعدده اللغوي والثقافي ويرسم اللغة الأمازيغية ولو بشكل ملتبس، لكن ممارسة الدولة والحكومة يعاكسان منطق ومضمون هذا الإقرار والتعاقد، وحكومة عبد الإله بنكيران تشرف بشكل جدي على تأزيم الملف والتراجع عن كل ما تم التقدم فيه من قبل ولو بشكل جزئي، ولف التدابير في مزيد من الغموض والتشكيك. والأمازيغية تعرف اليوم، بعد كل ما قيل وجرى وكتب، أسوء لحظاتها السياسية والثقافية والاجتماعية، وأشدها غموضا واستفزازا.
هذه مجرد أمثلة بارزة عن انقسام الدولة وعدم وضوح وجهتها بما تقتضيه روح المسؤولية وقواعد الحياة الديمقراطية، وواجبها في صون الحقوق وكرامة المواطنين وتحقيق شروط التنمية والتطور الفعلي التي يأتي على رأسها انسجام الدولة والتزامها نفسها بتعاقداتها وقراراتها. إلا أن طريق العبث الذي صار الحل المفضل لدى بعض قوى الاستبداد الجديدة أمام انكشاف حقيقة مشاريعها واستحالة تنفيذها بلغة المنطق والحقوق والديمقراطية والمصلحة العامة، ليس إلا طريق الهدم و والاحتقان والتخلف، والذي هو لا محالة طريق المجهول.









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ©2013