أخر الاخبار
...
...

تمازيغت

أخبار جهوية

أخبار وطنية

أخبار محلية

أخبار العالم

MELILLA

الفن والذاكرة

البيئة

الأحد، 15 فبراير، 2015

الأمازيغية بين أسئلة الهوية والثقافة ورهان التنمية


 بقلم/محمد زاهد 
يكتسي هذا الموضوع أهمية بالغة، وذلك من منطلق راهنية القضايا التي يطرحها ودورها الحاسم في رسم معالم استراتيجية محكمة قادرة على أن تجعل من المغرب دولة ذات أسس قوية وحديثة. 
ويمكن اعتبار أسئلة "الديمقراطية"، "الحداثة"، "حقوق الإنسان"، "التنمية"... إحدى أهم الرهانات الأساسية التي ينبغي على مغرب القرن الواحد والعشرون أن يكسبها، وبالتالي أن يخطو خطوات ملموسة نحو مسايرة التقدم والتحولات العميقة والمتسارعة التي يشهدها العالم. وتبقى الأمازيغية (لغة، ثقافة، هوية وحضارة) الأكثر قدرة وفعالية على احتضان أسئلة التنمية قصد بلورة إجابات علمية وواقعية، وإعطاء مشاريع تنمية حقيقية ومتوازنة. 
فأين تبرز أهمية الأمازيغية على مستوى بناء مشروع مجتمعي حقيقي؟ وكيف يتجلى لنا دور عنصري الهوية والثقافة على مستوى مسايرة تحديث وجعل الأمازيغية في خدمة قضايا التنمية؟ وما هي السبل والآليات الكفيلة بمنح القدرة والإمكانيات للأمازيغية حتى تكون مؤهلة لخلق دينامية مجتمعية وبلورة مشاريع تنموية مستديمة من خلال محور الإنسان، الهوية والثقافة؟ 
الأمازيغية وأسئلة الهوية والثقافة: 
يبقى سؤال الهوية موضوع رهانات متعددة، لعل أهمها رهان التحديث والتنمية. كما أن عنصر الهوية يكتسي أهمية قصوى على مستوى طرح الإشكالات ذات الطابع الوجودي. ولأنه كذلك، فإن الاشتغال داخل الحقل الهوياتي يسمح لنا بملامسة مختلف أبعاد القضايا التي يتم تناولها. وتتأكد مقولة أهمية الأمازيغية من خلال عامل الهوية على مستوى خدمة التنمية، في كون الوعي بالذات هو المدخل للتحرر والتمتع بالقدرة على الإبداع والإنتاج والإحساس بالمواطنة والدفاع عنها. كما أن تأكيد هذه الهوية يعزز ارتباط الإنسان بالأرض والتشبث بها، والعمل على صيانة كرامته والدفاع عن قيم الحرية والعدالة، وكلها معطيات قادرة على تعزيز قوة الجانب البشري على مستوى التنمية والتطور. وتبقى مقولة الفيلسوف هيكل "كل إنسان لا يعي ذاته يتدنى مركزه من الشخص إلى الشيء، أي يصبح مباحا قابلا للتملك والضم والاستغلال كالأشياء"، صورة حية عن أهمية الوعي والاعتزاز بالذات الذي يعطي للإنسان قوة المساهمة في بناء حضارته وتنمية أساسه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ويعتبر عنصر الهوية، إذن، أداة مناعة ضد الاستلاب وانفصام الشخصية كأهم ظاهرة سلبية يمكن أن تعطل حركية أي مجموعة بشرية أكثر من أي مشكل اقتصادي أو سياسي. 
كما يبرز دور الهوية كعامل من أجل المساهمة في تحقيق تنمية متوازنة، في كون الإحساس بعدم الانتماء إلى أرض المغرب كان من بين الأسباب التي كانت وراء فشل العديد من مشاريع التحديث والنهوض بأوضاع مختلف القطاعات الحيوية، ويكفي أن ندرك بأن المدرسة حاليا تظل إحدى أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية المساهمة في إنتاج الركائز البشرية التي هي بمثابة العمود الفقري لأي مخطط ومشروع تنموي، وقد أصبحت عاجزة عن مسايرة حاجيات السوق ومتطلبات العصر ولا تواكب شروط رهان التنمية، مثلما "تحولت إلى جهاز للقمع الرمزي، وللقطيعة الجذرية مع الهوية العميقة للمغاربيين"، كما يؤكد ذلك ذ. عبد السلام خلفي، حتى أصبح التلميذ المغربي حينما يلج المدرسة يصبح تائها في بحر لا يعرف كيف يسبح فيه كما يقول الأستاذ محمد شفيق. علما بأن الهوية تنفرد بمجموعة من الخصائص التي تميزها "كونها لا متناهية، حرة، غاية مطلقة في حد ذاتها"، وفق لما جاء في كتاب الصافي مومن علي الوعي بذاتنا الأمازيغية، كما تنفرد الهوية ذاتها بمحددات علمية (الأرض، اللغة، الثقافة، الإنسان...) وهي معطيات ومحددات تجعلنا في متناول ضغط أسئلة التنمية. طبعا الهوية كمفهوم أنتروبولوجي وليس كمفهوم ميتافيزيقي، أو بصيغة الانغلاق على الذات وعدم القدرة على التفاعل مع الآخر. 
وتبقى الهوية الحضارية والثقافية بذلك إحدى أهم العوامل القادرة على السير بشعب ما في اتجاه واضح المعالم قصد مسايرة متطلبات التنمية. 
علاوة على ذلك، فالثقافة أيضا، التي تعني وفق مجموعة من التعاريف، ومن ذلك ما أشار إليه ذ. محمد العربي الخطابي، أنها " كلمة حية متطورة من حيث مدلولها اللغوي وأبعادها الفكرية والوجدانية ومراميها الإنسانية والاجتماعية" ذات دور محوري على مستوى رهانات التنمية. كما أن الثقافة، بمعناها الواسع، "يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته، وهي التي تجعل منا كائنات تتميز بالإنسانية المتمثلة في العقلانية والقدرة على النقد والالتزام الأخلاقي، وعن طريقها نهتدي إلى القيم ونمارس الاختيار. وهي وسيلة للتعبير على النفس والتعرف على الذات كمشروع غير مكتمل"، وهذا ما نص عليه إعلان مكسيكو بشأن الثقافة الصادر عن المؤتمر العام للأمم المتحدة سنة 1982. 
وتبرز أهمية المسألة الثقافية في الوقت الراهن، في كونها أصبحت المحور الأساس لكل انشغال ورهان. وقد تأكدت مركزيتها خاصة مع بروز خطاب العولمة وما ينطوي عليه من إرادة الهيمنة ومحو خصوصيات الشعوب وفرض نمط حضاري واحد. لتبقى الثقافة الوسيلة الأكثر فعالية على مستوى مواجهة رهانات العولمة، وهذا ما يعلل مثلا قرار فرنسا على مستوى الاستثناء الثقافي الذي أقرته. 
ويعتبر المجال الثقافي من أهم المجالات الحاسمة في تطور المجتمع "حيث إن وضوح الهوية الثقافية يقود المجتمع إلى مستقبل واضح، ومن هنا ضرورة وضوح الرؤية الثقافية لكل مجتمع على أن تعبر عن كل جوانب الجسد الثقافي لذلك المجتمع"، كما ورد في دراسة للأستاذ محمد حنداين. وتبقى إذن الثقافة أداة من أدوات خلق المعرفة والوعي وعامل من عوامل التقدم والازدهار وإنماء التفكير. وتزداد أهميتها انطلاقا من مقولة انتقال الصراع من ميدان الاقتصاد والسياسة إلى ميدان الثقافة. كما أن الحقل الثقافي ظل مغيبا من الانشغالات الكبرى للدولة، مقابل مركزة الاهتمام حول ما هو اجتماعي واقتصادي دون الأخذ بعين الاعتبار لأهمية ودور العنصر الثقافي في المتغيرات والتحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، خاصة على مستوى تطور الديمقراطية والتنمية. 
ولأن هذه الثقافة "هي كل مركب يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل المهارات والعادات الأخرى التي يكتسيها الإنسان من هو عضو في المجتمع"، كما يؤكد ذلك "تايلور"، فإنها تبقى أساس رؤية الإنسان للعالم ونظرته للأشياء وبمثابة المنظار الذي يرى به ما حوله. وهكذا يظل "الفرد إذن، مدين لثقافته بنظرته إلى العالم وبنظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، فهو لا يفكر ولا يفعل إلا من خلال هذه المعايير والقيم الروحية التي أودعته إياها المجتمع" بتعبير سليم دولة في كتابه: ما الثقافة؟، حيث أن "كل من التحرر والنهوض لا يمكن أن يأتي إلا في إطار مفهوم محدود واضح للثقافة الوطنية تراعي فيه جميع المعطيات الموضوعية والمحلية بكل بلد". كما تظل اللغة على حسب ما يقول سليم دولة "مؤسسة رمزية، وأميز مميزات الثقافة"، وهي أساس وعاء كل حضارة وعنوان أي رهان. فكيف تتبلور قيمة الثقافة على مستوى التنمية؟ 
الأمازيغية ورهان التنمية 
لقد كان من شأن تفاعل إيمازيغن مع مختلف الشعوب داخل الفضاء الحضاري والجغرافي "ثامازغا/ شمال إفريقيا،" ونتيجة للتحديات التي يفرضها المحيط الطبيعي والحاجيات المتزايدة أمام التطور التاريخي الذي عرفه المجتمع الأمازيغي، أن ظل هذا الإنسان حريصا على إبداع آليات تجاوز معيقات هذا المجال وامتلاك وسائل التنمية وخلق شروط وأشكال مختلفة من أنظمة الاستقرار والعيش. وتتضح معالم الأمازيغية كمنظومة فكرية وثقافية على مستوى تفعيل أسس تنمية حقيقية، انطلاقا مما تختزله هذه الثقافة من قيم وعادات وتقاليد ومؤسسات وأنظمة سياسية واقتصادية وقانونية وهياكل اجتماعية (ثويزا، تاضا، إنفلاس، أزرف، أنظمة الري والسقي، النظام الزراعي...) وكلها تمثل المرتكز الحضاري والتاريخي لأي تنمية فعلية في مقابل المرتكز البشري الذي تمثل الهوية والثقافة إحدى عناصره الأساسية والمساهِمة في بلورة المسالك الضرورية للتقدم والازدهار. كما أن من متطلبات أي عمل تنموي ضرورة توفر الوسائل والأسس المادية والرمزية التي تستوحي قيمتها من لواقع، والتي تجعل من الإنسان محور نجاح أي مشروع تنموي حقيقي. وتحتفظ منظومة القيم الأمازيغية (ثيموزغا) بوظيفة مهمة على هذا المستوى، وعلى مستوى خلق عوامل تجاوز كل معيقات الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي الفعلي، وذلك من خلال ما يميز منطقة تامازغا كنطاق واسع، تفاعلت داخله مجموعة من الثقافات والحضارات، من تنوع وغنى على المستوى الطبيعي والتاريخي تشكل فيه اللغة والثقافة الأمازيغيتين الوعاء الحضاري ويحتل فيه الإنسان مركزية مهمة، وكلها عوامل تتضافر لتبرز أهمية الأمازيغية في خلق وسائل وشروط تنمية مستديمة. 
لذلك فإن "أي مشروع مجتمعي موضوعي وهادف يعني الأخذ بعين الاعتبار كل الخصوصيات والمكونات اللغوية والثقافية لجميع الشرائح الاجتماعية داخل المجتمع، سواء على مستوى معركة التحرير أو على مستوى البناء الديمقراطي للدولة- الوطن".( قاضي قدور: الثقافة الأمازيغية بين التقليد والحداثة، أعمال الدورة الرابعة للجامعة الصيفية، 19 يوليوز 5 غشت 1991، أكادير.) 
وتبقى إذن الأمازيغية كثقافة وطنية وهوية حضارية وعبرها الإنسان الأمازيغي، مركز عدم إخفاق أي برنامج ومشروع يهدف إلى تنمية حقيقية، مثلما يبقى الرهان الأساسي هو خلق علاقة بين الإستراتيجية التنموية والحقل الثقافي والهوياتي "وربط مشاريع التنمية بأساسها السوسيوثقافي حتى تكون لها حظوظ أو فرص في النجاح، وذلك بوضعها الإنسان في مركز اهتمامها". ذلك "أن التنمية التي تستهدف تطوير أدوات الإنسان التقنية وترتيب محيطه الخارجي والعناية بالعناصر المؤثثة لهذا المحيط دون أن تهتم بالإنسان ذاته، غالبا ما تؤول إلى الفشل بسبب انعدام الوعي التنموي لدى الفئات العريضة، حيث تصبح الثقافة السائدة متعارضة مع أهداف التنمية المادية واستراتيجيتها". (أحمد عصيد: أسئلة الثقافة والهوية في المغرب المعاصر، الطبعة الأولى.)، أو كما يقول "بيريس ديكويلار" "إن تنمية مستديمة لا تحيل على السياق الإنساني أو الثقافي ليست سوى تكاثرا بدون روح، في حين أن تنمية اقتصادية متوازنة هي من جنس ثقافة الشعب" 
إن دور الثقافة واضح على مستوى بلورة إجابات حقيقية حول أسئلة التنمية، لذلك فان أي تهميش لأي عنصر من عناصر هذه الثقافة يؤدي إلى عرقلة وفشل برامج التنمية، مثلما أن عدم جعل الإنسان أساس رهان الدمقرطة والتطور يبقى رهنا خاسرا، شأنه في ذلك، شأن أي فعل تنموي الذي يصطدم بعوائق بنيوية ما لم يأخذ بعين الاعتبار حقيقة دور الأمازيغية في هذا الرهان. وهذا ما يفسر عدم نجاح مشاريع التنمية المسطرة من طرف الدولة التي استمرت على نهج الدولة اليعقوبية/ المركزية (فرنسا) منذ دخولها إلى المغرب سنة 1912، والتي عملت على تكسير كل البنيات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية للمجتمع الأمازيغي، كما أبعدت الأمازيغية بصفة كلية عن كل دواليب الحياة العامة. وبالتالي فإن أسئلة التنمية التي لا تتوخى العودة إلى الانتماء الأمازيغي وتحيين منظومة القيم الأمازيغية والسير بالمغرب نحو الأمام، هي أسئلة تفتقد لكل الأسس الواقعية. 
إن عاملي الهوية والثقافة وسيلة لخدمة قضايا التنمية، وما دام أن الأمازيغية لا تزال ترتبط بمجموعة من المناطق المهمشة، فان المدخل لإرساء معالم تنمية اقتصادية واجتماعية فعلية هو رفع الحصار عن هذه المناطق ورد الاعتبار لها وللإنسان الأمازيغي بفرض برامج ومشاريع تهدف إلى رفع التهميش الممنهج، اعتبارا لكون الأمازيغية تشمل أبعادا ومستويات اقتصادية واجتماعية وتنموية وبيئية، وذلك عن طريق بناء المراكز الصحية، المدارس، شبكة الطرق، الإنارة، خلق فرص الشغل، تدريس الأمازيغية، وحتى يتم كذلك تفادي مشكل جوهري أصبح سمة المناطق الأمازيغوفونية وهي الهجرة، نتيجة للأوضاع الصعبة التي توجد عليها هذه المناطق. أما على مستوى آخر، وإذا كان العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1997) الذي أعلنته منظمة اليونسكو قد جعل من أهدافه الأساسية اعتبار أهمية العامل الثقافي في التنمية، فإنه يكفي أن نعرف بأن "مؤشر النمو البشري بالمدن هو بالتقريب ضعف نظيره بالقرى"، كما أن "نسبة الأمية عند القرويين هي 74% سنة 1998، 69% عند النساء واللواتي يتجاوز سنهن 15 سنة، وقد تجاوزت هذه النسبة 82% عند النساء القرويات"، علما بأن الأمية تعد إحدى أهم العوائق في وجه تنمية شاملة، وتبقى الأمازيغية واجهة من واجهات تجاوز هذه الحالة. 
إن الحضارة الأمازيغية غنية بتراكمات وتجارب مفيدة على مستوى تشييد صرح مشاريع تنموية وطنية، تأخذ بعين الاعتبار المعطيات السوسيوثقافية والاقتصادية للمجتمع الأمازيغي وتطوره التاريخي ويكفي أن نعلم بأن تيموزغا تمنحنا لغة وقيم، التي يمكن أن تجعلنا نساير تقدم العالم. كما أن "تامازغا" كنطاق جغرافي وحضاري بما يتميز به من امتيازات ومعطيات، وبحكم موقعه الاستراتيجي وعامله التاريخي وأهمية بعد التنمية فيه، وأمام ما تشكله "تيموزغا" كمنظومة للقيم الأمازيغية أو الانتماء الأمازيغي، قادرة على جعل المجتمع الأمازيغي يسير في اتجاه الانخراط الفعلي في مسار تحولات الحضارة الإنسانية، بفضل القيم المشتركة والنبيلة التي تحكم تطور الحضارتين وهو ما يعد مدخلا حقيقيا من أجل تنمية واعدة. 
علاوة على ذلك، فإن المركزية المفرطة التي نهجتها الدولة المغربية والموروثة من العهد الاستعماري الفرنسي، تظل من العوائق الأساسية المعيقة لنجاح أي استراتيجية تنموية، لتبقى إحدى أهم التدابير الواقعية لتجاوز هذه الوضعية هو منح المناطق المهمشة صلاحيات فعلية للتحكم في ثرواتها وإمكانياتها الطبيعية وتسيير المنشآت الخاصة بها، وتعتبر الثقافة الأمازيغية مرجعا في هذا الشأن بحكم ما يطبعها من تراكمات إيمازيغن على هذا المستوى منذ فترات طويلة، وعلى مستوى أنظمة الحكم الذاتي والتسيير المحلي... 
إن من أهم وظائف الأمازيغية، وظيفة المساهمة في إنجاز تنمية شاملة داخل المجتمع والرقي به. لذلك لا مناص من إغفال هذا الدور وعدم اعتبار هذا المعطى والعامل في خلق شروط الممارسة التنموية المستديمة، وقد سبق لإعلان مكسيكو بشأن الثقافة في المادة 10 أن نص على ما يلي: "تمثل الثقافة بعدا أساسيا في عملية التنمية يعين على تعزيز استقلال الأمم وصون سيادتها وذاتيتها. ولقد نظر إلى التنمية في كثير من الأحيان نظرة كمية دون اعتبار لبعدها النوعي الضروري المتمثل في تلبية تطلعات الإنسان الروحية والثقافية"، كما نص في المادة 16 على أنه "لا يمكن تحقيق تنمية متوازنة إلا من خلال الدمج بين المعطيات الثقافية وبين استراتيجيات التنمية، وينبغي بالتالي أن توضع الخطط والاستراتيجيات الإنمائية في ضوء السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي لكل مجتمع". 
إن كسب رهان الدمقرطة والتنمية وبلورة إجابات تجاوز معيقات هذا الرهان، تتحدد بالعمل على تجديد الإرث الثقافي والحضاري الذي راكمه إيمازيغن عبر تفاعلاتهم واحتكاكاتهم مع محيطهم الطبيعي ومختلف الشعوب التي عاصروها. كما يتحد ذلك بإرساء نظام اقتصادي واجتماعي يجعل من منظومة "تيموزغا" أساس هذا النظام، وفق التطورات والتغييرات التي يشهدها العالم. 
ولم يكن شعار "لا تنمية بدون أمازيغية" الذي رفعته الحركة الأمازيغية من باب الصدفة، بل اعتبارا لأهمية المقاربة التنموية في معالجة وتناول القضايا الوطنية، ومن منطلق وعي هذه الحركة بدور الأمازيغية على مستوى خلق شروط وأسس التنمية المستديمة كمرتكز بنيوي، من دون إغفال الوعي بضرورة توجيه الانشغالات في اتجاه العمل على تجاوز معيقات الواقع الاقتصادي والسياسي الذي تفرضه الدولة من خلال سياسة التهميش والحصار المفروضين على المناطق الأمازيغوفونية. الأمر الذي جعل الجمعيات الأمازيغية تولي اهتماما لهذا الموضوع من خلال التنصيص على جعل البعد التنموي من ضمن أهدافها، وهناك تجارب رائدة في هذا المجال عبر خلق شراكة مع العديد من المنظمات غير الحكومية قصد خلق مشاريع التنمية وتقديم إجابات وحلول تتماشى ومعطيات الواقع، أهمها اعتبار أهمية الإنسان ذاتا وهوية. واعتبارا للعلاقة الجدلية القائمة بين الهوية والثقافة، الإنسان، التنمية، وذلك لكون أي مقاربة تنموية تتوخى النجاح تنطلق دائما من الإنسان ذاتا وهوية، فإنه بات من الضروري جعل البعد التنموي مدخلا بجانب المدخل الثقافي والحقوقي والسياسي... والحرص على وضع استراتيجية تهدف إلى خلق تراكم في هذا الصدد عبر توسيع مجال الاشتغال داخل هذا المستوى وإبداع آليات الانخراط في مسار تطوير العمل التنموي انطلاقا من تجديد الصيغ والوسائل التي لا تزال تختزلها الثقافة الأمازيغية. 
خلاصات 
يعرف العالم حاليا تحولات سريعة وعميقة تجعل من واجهة العولمة -كأبرز واجهة- سبيلا ومدخلا لفرض نمط حضاري وثقافي واحد على جميع المستويات. في مقابل ركود المجتمعات التي لم تتخلص بعد من تراكمات الماضي السلبية، وهو ما يشكل أمامها عائقا جوهريا، تظل أمامه هذه المجتمعات غير قادرة على تناول التحديات المطروحة عليها، سواء تعلق الأمر بسؤال الديمقراطية، الحداثة، الهوية، أو التنمية...والحال أن المغرب وهو يعيش في غمرة أحداث ومتغيرات القرن الواحد والعشرون، وفي ظل تزايد الإلحاح حول كسب مجموعة من الرهانات والقطع مع الأساليب العتيقة في التعاطي مع القضايا الوطنية، لإرساء دعائم مشروع مجتمعي ديمقراطي حداثي حقيقي وفعلي، فقد أصبح من اللازم عليه، واعتبارا لما سبق، العمل على مسايرة التطورات الحاصلة وتجاوز المعطيات المطروحة عليه، لعل أهمها رهان التنمية، وذلك بتفعيل أسس أساليب خلق مشاريع تنموية حقيقية واستراتيجية محكمة في هذا المجال، والمدخل في ذلك ربط هذه المشاريع مع حقيقة الواقع التاريخي والثقافي للمجتمع المغربي، وتشكل الأمازيغية –كمنظومة فكرية وقيمية- أساس هذه العلاقة وجعل الإنسان محور هذه التنمية لضمان نجاحها.









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ©2013