أخر الاخبار
...
...

تمازيغت

أخبار جهوية

أخبار وطنية

أخبار محلية

أخبار العالم

MELILLA

الفن والذاكرة

البيئة

الثلاثاء، 24 فبراير، 2015

زلزال الحسيمة...حكاية طفل


زلزال الحسيمة...حكاية طفل
 بقلم//إلياس اتجاني
    24 فبراير تؤرخ لتاريخ مأساوي في الذاكرة الريفية، يوم بارد بامتياز. الساعة تزيد على منتصف الليل بقليل. قسوة شهر فبراير، سجنت معظم الناس تحت الأغطية. الكل في فراشه نيام، يلتحفون ثلاثة أغطية أو يزيد.. شهر فبراير في بلدتي "تمسمان" معروف بقسوة مناخه وتقلبات طقسه. جدتي تنعته بلغتها الأمازيغية ب"شهار أبوهاري". شهر أحمق، نظرا لتقلب مزاجه السريع، فالربيع على الأبواب... قبل اليوم المعلوم بساعات. تناولنا وجبة العشاء، شاهدنا الأخبار على القناة الأولى. عرضت صورا من الأنشطة الملكية للملك الشاب. تدعو له أمي بالنصر والتمكين.. عقلي الصغير لم يكن يستوعب دعوتها. كنت أكتفي بترديد "آمين" وراء كل دعوة فاهت بها، لكل شخص كان قريبا أو بعيدا. فالأم مدرسة وأداة شحن بامتياز... خلد الكل إلى النوم. انطفأت الأضواء.. لم يمضي وقت طويل على سبات جفوننا في ذلك اليوم المشئوم. أشارك غرفة النوم مع أخي الأكبر الذي تأخر كعادته. لازال مع أصدقائه، ينتشي لعب "البارتشي" بالمقهى ومشاهدة أفلام "الرامبو"... الثانية بعد منتصف الليل، في غفلت من الزمن. تموجت الأرض معلنة حياتها. اهتز سريري في غفلة من النوم المحتل داخل جسدي... صرخت بصوت مرتفع، دون وعي "أيما ينو...أااايما ينو..".
هرعت في فزع إلى زر المصباح لأشعله. لم يستجيب. انقطع التيار... زاد حجم خوفي. ظننت أن أرواحا شريرة حلت بالغرفة. هرعت مسرعا في الظلام. أجذب الباب بكل ما أملك من قوة بيدي النحيفتين.. لا يريد الباب أن يستجيب لي.. بعض المزهريات الموجودة فوق الدولاب تتساقط.. انفتح الباب. توجهت صارخا، مستغيثا، مستنجدا، بأمي نحو الصالون، تطمئنني، تضمني إلى صدرها، متحسسا دفق حنانها وعطفها... هربنا من هول الهدير المصاحب للرجة. أبي استمر في نومه العميق. لم يحرك ساكنا من مكانه. زاد من سخرية العبث والقدر. اكتفى بقول جملته الشهيرة "هناك موت واحد"... الكل في الخارج. "مملكتنا" المحيطة بسور طويل. لا مكان للأجانب. سوى العائلة.. تجمع أبناء العمومة وجدتي نستفسر الأمر.. لم أكن أعرف ماذا حدث... سمعتهم يرددون كلمة "الزلزال". لم أكن أعرفها إلا من سورة "الزلزلة" التي استظهرتها على المعلم في القسم الثاني.. جال الكلام في خاطري... الزلزال..! نعم هو كذلك..! نسيت الخوف والفزع بسرعة، التقيت ابن عمتي في الخارج مع أهله. يحمل شمعة في يده، بدا كشبح "الهالووين".. لقائنا فرصة للعبنا وشغبنا الطفولي. الذي لم ينتهي قط... بكاء وصراخ الأساتذة المغتربين يصدح هدوء المكان. يعكر شغب ليل فبراير.
 الليلة استمر السهر تحت وطأة البرد القارص. البلدة استيقظت تبحث عن الشموع والقناديل لإضاءة وحشة غدر الزلزال... اتصالات هنا وهناك... الكل يستقصي حجم الكارتة. يبحت عن وميض خبر أهله يشفي غليل حب الحياة... انقشعت أخبار عن بلدات مجاورة، تحت تباشير الصباح. الحسيمة..."امزورن"... تروكوت... مناطق لا تبعد عنا كثيرا. ضاقت مرارة زلزال أبى أن يشعر الإنسان مند القدم بحياته وجبروته. مخلفا انهيارات وفواجع مهمة... أحياء سكنية كاملة، موتى بالعشرات.. أخبار نعي وردت على لسان أحد أقارب زوجة عمي القاطن بالحسيمة.. القلق يتزايد. الكل يتمنى ألا تكون الكارثة كبيرة.. في الصباح توجهت إلى المدرسة للالتحاق بفصلي. وجدت المدير يقف أمام باب المدرسة معلنا تعطل الدراسة إلى إشعار آخر.. فرح طفولي اجتاح التلاميذ.. تمنينا أن يستمر الزلازل، ويأخذ مدرستنا قربانا. كنا نكن لها الكثير من الحقد والكره ونحن صغار... عدنا أدرجنا في شغب صبياني. وجدنا خيمتان كبيرتان نصبت وسط منازل العائلة المتصدعة.. واحدة مخصصة للنساء والأخرى للرجال، في تضامن إنساني أمام هول الفاجعة.. ازداد فرح ولعب الأطفال... رجع التيار الكهربائي. قام عمي بتنصيب تلفاز من النوع الصغير وسط الخيمة. نشاهد الأخبار. نشرة الظهيرة بثت الخبر... بثت مشاهد حول حجم الخسائر. حذرت الناس بعدم الدخول إلى المنازل بسبب موجات الهزات المرتدة. طالبة السكان بالحيطة والحذر..
صاحبت أبي إلى مركز البلدة. لشراء المستلزمات الضرورية. حديث الناس يدور حول جمع المساعدات والتوجه بها للمنكوبين في المناطق الأكثر تضررا... في حركات عفوية وغير منظمة انتظم الساكنة في حملة إنسانية لإنقاذ ما يمكن انقاذه. تطوع الشباب في مسيرة الإغاثة. سيّروا قافلات المساعدات من جميع جبال الريف.. في تضامن رائع. لم ينتظروا وعود المخزن... لقد تعايشوا مع خذلانه... توجهنا بسيارة أبي إلى مركز الزلزال. لا تبعد سوى ثلاثون كيلومتر... ليطمئن على بعض معارفه هناك.. وصلنا إلى "إمزورن" كانت أول مرة تطأ فيها قدمي تلك المدينة. وجدنا أن الشاحنات المحملة بالمساعدات القادمة من الناظور... عشرات الشاحنات ممتلئة بالمساعدات عليها لافتات تحمل شعارات وعناوين أصحابها في تضامن وحشد الهمم. شاحنات مهترئة للوقاية المدنية تحمل صهاريج من المياه للشرب. تطفي ظمأ أسر الضحايا المكلومة والمشردة.. منازل أصبحت سويت بقارعة الطريق.. جرافات تبحث تحت الأنقاض. تحاول تفكيك الركام فوق الجثث المدفونة بملابس نومها.. أحذية متناثرة هنا وهناك.. نساء لا يتوقفن عن النحيب.. أطقم إذاعية وكاميرات..
أول مرة، أشاهد كاميرا وصحافيين ينقلون الخبر مباشرة من موقع الحدث. شاحنات وسيارات توزع المساعدات والأغطية بدون نظام.. فوضى وارتباك في عملهم.. أناس يتدافعون حول شاحنة تعود للقوات المساعدة محملة بخيام.. الكل يحاول أن يضفر بواحدة. عدد الخيام هزيل مقارنة مع الأسرة المشردة فوق حطام المنازل... سارع أطفال تعلو محياهم تجاعيد الحزن. ماذا جلبتم لنا يا عمي..؟ يوجهون سؤالهم إلى أبي.. إنه الخبز يا صغاري... تعالوا لتأخذوه.. يجيبون..! هل أحظرت لنا معك "دانون" فالخبز في كل مكان...! سلام على شهداء 24 فبراير الأسود. سلام على الريف الجريح ...









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ©2013