أخر الاخبار
...
...

تمازيغت

أخبار جهوية

أخبار وطنية

أخبار محلية

أخبار العالم

MELILLA

الفن والذاكرة

البيئة

الأحد، 24 مايو، 2015

إبن عمي، ترك الجنة وقصد سوريا


بقلم/عاشور العمراوي
الأحد 24 ماي 2015
دعونا نبدأ مقالنا، بفعل ( كان )، لكون المعني لم يعد متواجدا معنا هنا في الجنة، لقد غادر إلى سوريا للتعاقد مع شياطين الجحيم من أجل رحلة الوهم، والخارجة كليا عن روح العقل والتفكير السليم.
إبن عمي هذا، هو واحد من أبناء العمومة الذين يتآخى جدي بجدهم كأساس للعمومة التي أتحدث عنها، عاش بين أحضان عائلة تعتبر الآخرين غير إنسانيين وغير ذي ثقة، الآخرين بالنسبة لهذه العائلة، ليسوا إلا مصدر شر وتخوف، وهي تُعتبر عائلة متشدده عند أهل القرية معتمدة في تشددها على المال المكتسب من العمل عند النصارى وراء جبال أروبا الشاهقة.
هذا الإبن الذي كان يدعى سليمان قيد حياته، وإن لم يكن يحمل خاتما يسحر به الآخرين، فقد كان يحمل سحرا من نوع آخر، سحر يتجلى في الأخلاق الحميدة والآداب الحسنة، الإحترام التام والإلتزام الكامل بمبادئ حسن الجوار والمعاملة الطيبة . سليمان كان ذو ابهة وطلعة بهية، شاب في مقتبل العمر، باقة ورد تحولت مع الأيام المتشددة إلى باقة جانبها أسود رغم قصر عمرها، سواد تجلى في لحية بسيطة لشاب أنيق بلباسه بنظراته وتحاياه وابتساماته في وجوه الآخرين، سليمان لم يكن عنيفا كالأيدي التي تحكمت فيه وربته بعنف، سليمان ما سبق له أن عنف أحدا أو انتشر خبر يفيد معاملته غير الأخلاقية لشخص ما، سليمان كان في الحقيقة مجهرا لرؤية الجمال الأخلاقي والحسن الإنساني، كان الوحيد من بين إخوانه جميعا الذي بقي يدا يمنى لعائلته التي ربته على العنف، فقد كان يتحمل مسؤولية والده الذي عانى مؤخرا من بتور في كلا رجليه، أقعدته بشكل نهائي، وكذا مسؤولية أمه التي تعاني هي الأخرى من مرض السكري، كما هو الأمر لمسؤولية أخيه الذي يعاني من خلل ذهني هادئ.
في صغره سليمان لم يكن حرا في اختيار أصدقائه، لم يكن حرا في الذهاب إلى حيث يريد اللعب ومع من يحلو له فعل ذلك، سليمان كان معنفا، ولم يكن يستطيع البقاء خارج البيت ليلا أو خارج البيت طويلا، سليمان لم تكن لديه علاقات مع المحيط، سليمان لم يكن يلعب الكرة مع أبناء القرية، ولم يكن يقصد المقاهي، سليمان لم يكن يحضر الأفراح من تلقاء نفسه، بل كان محكوما بالسير في صحبة عائلته التي ربته على توخي الحذر من ظله نفسه، هذا الظل الذي تعايش معه لينهش شخصيته في النهاية.
يتحدث أبناء القرية عن عائلة منعت ابناءها من الإختلاط مع الجيران والغرباء، عائلة لم تعمل قط على إرغام أطفالها لإكمال دراستهم وإن وصل بعضهم إلى الأقسام الثانوية، عائلة معروفة بإحاطة كل ممتلكاتها بالحيطان، لتبني القصيرة منها بالإسمنت والطويلة بالتراب والأحجار معا، عائلة سرعان ما يختفي افرادها وراء الأبواب الحديدية لمنازلهم ولسياراتهم، حتى أن أفرادها لا يجتمعون مع باقي أبناء القرية في المساجد والمقاهي، باستثناء بعض الوقت في حضرة المآتم داخل المقابر أو في حفلات العزاء.
هذه العائلة التي تحدث عنها أبناء القرية بهذا الشكل، هي عائلة سليمان نفسها التي ربته على اتباع نموذج تدين عنيف رغم الظاهر المزيف، وهذا في عز صباه وهو يعمل في مشروعها لتربية وبيع الدجاج بالجملة والتقسيط، حتى تعثر المشروع بتعثر صحة القائم عليه، والد سليمان، ثم إنتقل إلى رعاية الأسرة وقيادة سيارتها للتسوق بوالديه نتيجة غياب جميع أفراد العائلة من إخوة وأخوات وآخرين.
سليمان إقتنى أجهزة إلكترونية مباشرة بعد وصول التيار الكهربائي إلى القرية عام 2006 ، فتعلم استعمالها والتعامل بها حتى تعرف على شبكات إجتماعية مكنته من التعرف على شخصية ابن لادن وأعماله العنيفة ضد من تعلم سليمان من عائلته أنهم كفار لا يستحقون الحياة ( نتساءل هنا لماذا خلقهم الله إن لم يكونوا ممن يستحق الحياة؟) ثم توالت الأحداث حتى ظهرت داعش التي ملأت كاس سليمان بالعنف الرمزي الذي كان يخفيه وراء منظومة أخلاق صنعته بالقوة خوفا من غضب الله عليه، ولم يصنعها إرضاءً لله أمام عباده.
سليمان أخذ ينقل أشرطة فيديو محمولة على الكمبيوتر إلى أصدقاء اللحية، تعرف عليهم من خلال قنوات متعددة منها العمل بالجوار لدى اعمامه، تظهر فيها أعمال جهادية مرفوقة بتلاواة مهيبة تبعث الخشوع في النفوس، كانت المخابرات العالمية الصهيونية قد أعدتها بإتقان لتغريض الشباب المسلم من أجل إنجاز مشروع سياسي إمبراطوي في الظاهر، يقول العارفون أو يتحدث جميعهم على (مشروع إسرائيل الكبرى)، أشرطة تحرضهم على الجهاد ليس في فلسطين أو الأراضي المقدسة لنكون واضحين، بل في سوريا التي لطالما وقفت حجرة عثرة في طريق المشروع بصمودها وقوتها التي تتمثل في شعبها القوي والتاريخي وحضارتها الضاربة في التاريخ، وهذا طبعا بعدما تمكن المخططون الصهيونيون من تدمير العراق الذي كان يبدوا قويا بعنتريات صدام المجرم الذي لأباد شعبه في حلبجة ومدن أخرى عديدة بأسلحة كيماوية محرمة، فمتى كان الشعب قويا كان رئيسه إلى جانبه مؤازرا بتفكيره السليم لا الخسيس .
إنبرى سليمان وأصدقاءه في أشرطة المخابرات الصهيونية، وقرروا اللحاق بالجنة إنطلاقا من الجنة نفسها، فهل هذا تفكير سليم ؟ فسليمان كان في الجنة هنا، أليست الجنة تحت أقدام الأمهات ؟ ألم يكن سليمان تحت أقدام أمه وأبيه بالتعبير المجازي لا المفاهيمي والإصطلاحي ؟ ألم يكن ليستمر في الجهاد فقط هنا ليفوز بالجنة الموعودة؟ 
لماذا إذا إختار سليمان ترك الجنة بأفعال خير في حق والدية وجيرانه، وفضل قصد الجنة بأفعال قتل وسفك لدماء الأبرياء والأعداء معا وفق تعريفهم للإعداء، لقد إختار سليمان هذا الطريق لأنه كان معبأً بالعنف من قبل ومن قِبلِ عائلته، أبيه على وجه خاص . إذا سليمان كان نسخة مزيفة عن شاب مسلم حسن السلوك والأخلاق رغم أبهته !!! .
لقد قرر سليمان الرحيل إلى سوريا رفقة صديقه عاشور الملتحي حديثا والذي كان يتعاطى كل أنواع المخدرات مع المتاجرة فيها، فقرر سليمان أن يترك الجنة، وأن يترك الفراغ القاتل هنا في القرية، هنا في الحي، قرر سليمان أن يسدل الخوف وتسدل المهابة على هذا المكان، قرر سليمان أن يقطع دابر صلة الرحم هنا بين جدران الجيران، وقرر أن يستمر العنف .
سليمان رحل ولم يرحل العنف عن عائلته، فمن يتدخل من أجل هذا الرحيل المنتظر إن لم يكن فقدان الإبن الطيب كافيا ؟ من يا ترى ؟؟؟
سليمان مات في سوريا ولم يعد ولن يعد.... فأعيدوا العنف إلى قواعده وانشروا السلام.









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ©2013