أخر الاخبار
...
...

تمازيغت

أخبار جهوية

أخبار وطنية

أخبار محلية

أخبار العالم

MELILLA

الفن والذاكرة

البيئة

الثلاثاء، 11 أغسطس، 2015

"الزين اللِّي فـالعدالة والتنمية"..


عبد الكريم القمش
الاثنين 10 غشت 2015 

سنة 2005 سألت أستاذ مادة التربية الإسلامية الذي يعمل معي بنفس الثانوية بإحدى مدن الجنوب عن الطريقة الأسرع للانضمام إلى حزب العدالة والتنمية..كنت أذكر أنه حزب يعاني بشكل من الأشكال.. كان مجرد إصرار وزارة الداخلية آنذاك على تقليص عدد الدوائر المغطاة من طرف الحزب دليلا على كونه "حزبا ملائكيا" يريد الخير للوطن.. إذ كيف ل"المغرب العميق" أن يحارب حزبا "لله في سبيل الله".؟.. هذا ما كانت تقوله الصحافة آنذاك.. حزب العدالة والتنمية "كايخلع"، وربما أكثر من التنظيم الإسلامي الأكبر عددا "العدل والإحسان".. آنذاك..كانت الأمور تتغير.. كان هناك عهد جديد.. ملك جديد.. كان شيخ جماعة العدل والإحسان طليقا حرا وبعيدا عن الإقامة الإجبارية المفروضة عليه من طرف النظام القديم..
كانت جماعة "العدل والإحسان" قد فقدت الكثير من جاذبيتها العملية رغم حفاظها على قدراتها التأطيرية والتنظيمية والتنظيرية و(نسبيا) العددية.. كان حزب العدالة والتنمية هو الحزب "الله يعمرها دار" في دنيا السياسة الذي يجسد وسطية الإسلام التي يسمع عنها المسلمون كثيرا ومنذ أزمنة بعيدة دون أن يتمكن أي من فرقاء الإسلام السياسي على تجسيدها طوال قرون عديدة..بعبارة ملخصة و"أقل تنطعا" "كان حزب العدالة والتنمية يمثل تلك الجماعة من الإسلاميين القادرين على تحقيق المدينة الفاضلة على المستوى السياسي ماداموا نزلوا من أبراج المقاعد الفارغة وقرروا الدخول إلى غمار اللعبة السياسية"، وهم بهذا يثبتون أنهم يريدون التغيير من داخل المنظومة وليس من خارجها..عكس العدل والإحسان...لكل هذه الأسباب كنت آنذاك أفكر جديا في الالتحاق بحزب العدالة والتنمية، واليوم، والحمد لله، أحمد الله كثيرا لأني لم أفعل...
مرت عشر سنوات واكتشف المغاربة أنه لم يتبقى من العدالة والتنمية غير "لحية-لايت" لا حول لها ولا قوة على كل المستويات (اقتصاديا واجتماعيا، وسياسيا أيضا)...مرت عشر سنوات واكتشف المغاربة أن "كعكة الإنسان والسياسة" غير قابلة للتقسيم.. فإما أن تكون مثاليا أو لا تكون.. لا يمكنك أن تكون كلاهما معا.. لا يمكنك أن تروج لخطابات المدينة الفاضلة وأنت في المعارضة وتتحدث باسم "الله والرسول(ص)"، قبل أن تكتشف أن العصيدة السياسية أسخن حقا من كل أصابعك المتحمسة فتعود لكي تنشئ مزيدا من الشعبوية في الناس وتكلمهم عن أفضال وفضائل "الخبز وأتاي"، الراعي الرسمي للفقر في هذا الوطن الحبيب.. لا سيدي "عبد الإلاه بنكيران"، لم يسبق لأي مخلوق في الكون أن حاول أكل كتف السياسة بهذه الطريقة ومن يفتي عليك بأمور كهذه يأخذك وحزبَك إلى نهاية حزينة حقا...
لا تعدني ب"البيتزا" وأنت في المعارضة قبل أن تعود لممارسة الدعاية للخبز الأسود وأنت في الحكم... هذه أسوأ طريقة للهروب إلى الإمام سيدي "رئيس الحكومة"...
نعم...لقد أحب وحلم الكثير من المغاربة، على غرار كل شعوب المنطقة وهي تصوت لصالح "اللحى" بعيد ما سمي ب"الربيع الديمقراطي".. وهذا كان أمرا طبيعيا للغاية.. فمن يعد الناس بالجنة وقد مُنِعَ عن الحكم والسلطة من أجل تحقيقها سيكون محورا للتصويت الواسع مادام المنتخبون من العامة قرروا تجريب "الحلم" ووضعه على سكة الواقع.. ميثاقهم، بينهم وبين حكامهم الجدد هو "قال الله وقال الرسول" وهي عبارات لا يجب أن تحصل فيها مساومات من أي نوع كان..
أحلام بسيطة.. رجال يستشهدون بالقرآن والسنة طوال الوقت، مايكروفوناتهم بين أيديهم وألسنتهم داخل حلوقهم، والحالمون بوعودهم داخل حقولهم، والكرة داخل ملعبهم والحقيقة خارج إدراكهم وإدراك من معهم، والكذب على الغارب لا يكون غريبا والغريب في الكذب يصبح مستساغا.. تنطلق الوعود بالمدينة الفاضلة.. يهتف أمثال السيد بنيكران، صاحب الكاريزما القوية (أعترف) والقدرة المذهلة على "الإقناع" (أعترف)...يهتفون ويصرخون..صحيح أنهم يقلون عن هتلر وموسولوني وستالين وماو تسي تونغ، و"توتاليتاريي أمريكا الجنوبية" مهارة ولكنهم على العموم من طينة اولئك الذين "يتحكمون في الجموع".."يجيدون الخطابة".. "يجيدون صناعة الكلام" و"تكريس الأحلام" و"قتل الأوجاع الطارئة" و"الأصداء المشينة" و"الأثداء الحبلى باليأس"...
أمام المواطن العادي يتم الحديث عن كل ما يشتهي المواطن أن يسمعه من أصداء عن المدينة الفاضلة.. يكفي أن يهتف عنصر من العدالة والتنمية (مثلا) تمجيدا للأمهات القاعدات بالبيت حتى يتحول الحزب ككل إلى مصباح يضيئ دروب الماضي للحلم بمدينة فاضلة تأسر المرأة في البيت وتجدد نفس "القوالب الجاهزة" عنها.. هل تذكرون شطحات رئيس حكومتنا حول الثريا والثرايا والمرثيات والآثار وما أكلت ماعز السياسة ونطيحة علم الاجتماع؟...يكفي أن يمارس أي عضو في العدالة والتنمية (ومن يسطع بألوانه) شيئا من شعبوية تدغدغ أحاسيس الناس (باسم الدين فيما الدين منها براء) حتى تقوم قيامة التوحيد لحزب "الله المختار"..ومصباحه المنير المضيئ لدروب لم يسر فيها أحد من قبل (بسبب ظلمتها طبعا)...
ماذاتأكل؟ بكم تأكل؟ أين تأكل؟ أين تقطن؟ بكم تقطن؟ بكم تضيئ بيتك؟ كم يلزم دراجتك النارية من وقود السير؟ كيف تقلق على مصير زوجتك، أختك؟ ابنتك؟ والدتك الأرملة؟ عمتك المحتضرة؟ صديقتك الفقيرة؟ جارتك التي رحل عنها زوجها لأنه أناني جدا..لأنه لا يحب أبناءه..كل هذا لا يهم.. أعلم ذلك.. لأن الأهم حتما هو أن رئيس حكومتنا لازال محتفظا بلحيته، ولا زال حتما محافظا على صلواته الخمس و"وضوءه السياسي"...
السياسة..الاقتصاد..ومعهما، طبعا، الاجتماع..لا يهم مادام الرئيس يصلي، يصوم، يزكي، يقيم أركان الإسلام الخمسة وأركان الإيمان الستة..السياسة والاقتصاد اللذان هما "أنت" (يجب أن ويفترض أن) لا أهمية لهما رغم كل ضرورات"حسن سير وسلوك الميزانية الشهرية لمالية الشعب".. تحصلُ على مرتب جيد.. تصرف بشكل جيد... لا تثقل كاهلك الضرائب.. لا يهددك صندوق التقاعد...تتوفر على علاقات اقتصادية وسياسية جيدة مع "دول نرتبط معها ب"مصلحة"، تموت في سبيل ذلك...إن حصل هذا فمالي ومال صلاتك وصومك ونسكك التي يفترض أنها لله وليست للشعب... لآخرتك، وليس لدنيانا..فلماذا أعيد انتخابك أساسا إن كنت في دنياي من الفاشلين..وفي آخرتك ممن يتقبلون مني خالص الدعاء ولو من باب "الإنسانية"...
لقد آمنت في فترة من الفترات ب"إسلام العدل والإحسان"، كنت أعتقد أنهم بصرامتهم الأكثر تشبثا ب"حبل الله"...بعد ذلك.. فهمت أن هناك إسلاما يريد أن يراجع نفسه.. يريد أن يكون أقل أصولية وأكثر مرونة في التعامل مع الواقع المتغير..في انتظار تحقيق المدينة الفاضلة في ظل ظروف أكثر تقدمية و"توفيقية".. ولكني بالنهاية اكتشفت أن الليل ليل والنهار نهار وأن الفجر حل ترقيعي ملفق...مجرد مرحلة انتقالية... تحصل صدمة القمر في مواجهة الشمس فيفر القمر هاربا من أرض المعركة "مفر" غير "مكر" مدبر غير مقبل وكأنه جلمود سياسة وقع من صندوق عل... فهمت أن العدالة والتنمية مجرد محاولة فاشلة للتوفيق بين "فكر تقليداني" قديم "قص شيئا من "عمق أيديولوجيته" وطول وسواد لحيته لكي يسير مشية الحمامة ففشل كما فشل ذات الغراب، ذات زمن مضى ولا زال مصرا بكل غرابة على تكرار نفسه...
ببعض من الآيات يمكن لأي فقيه في الدين أن يفتي برأي معين، وبآيات مغايرة ومتشابهة ومختلفة من نفس "الكتاب المقدس" يمكن لفقيه آخر أن يفتي بالرأي المضاد.. اسألوا التاريخ أصدقائي.. تاريخ المسلمين تحديدا.. اسألوه وسيخبركم أن السياسة لم تركع للدين يوما، لأن رجال الدين كانوا يملكون رقبة الدين ويلعبون بها كما شاؤوا لأنهم "حفظوا" شيئا من أذكار حكيمة تعددت وتشعبت، ولأن رجال الدين جعلوا الدين يركع للسياسة ويوافق أهواء الحكام..أهواء المال.. أهواء النفس الأمارة ب"الحياة الهنيئة" والمال الوفير.. لا يهم إن كان المال يعارض الدين فرجل الدين دوما يصنع من الدين أديانا جديدة توافق هواه وهوى مصلحته وهوى مصلحة حاكمه..
بنكيران اليوم ليس هو بنيكران الأمس و(الفيديوهات بيننا)، محمد الفيزازي ديال اليوم ليس هو محمد الفيزازي ديال الأمس، (والفيديوهات بيننا واسألوا فيصل القاسم إن كنتم لا تعلمون).. و"إخوان مغرب اليوم" ليسوا كإخوان مغرب الأمس" فعن أي دين تتكلمون وعن أي تمثيل لله تتحدثون وبأي مدينة فاضلة تحلمون وإلى أي وهم تركنون؟ وإلى متى عن الحقيقة أنتم غافلون؟...بالدين قتلوا "أنور السادات" وبالدين برروا خطأ قتله، وبالدين حرموا الربا وبالدين أيضا شجعوا البنوك الإسلامية، وبالدين يحللون الجهاد وبالدين يحرمونه.. بالدين يحللون جهاد النكاح، وبالدين أيضا يحرمونه.. وبالدين، أيضا وأبدا سيفعلون كل المتناقضات الممكنة لأن الدين تجارة لا تخيب وتجارة من لا تجارة له...وقد سبق ل"علي بن أبي طالب" أن حذر من هذا وهو يتكلم عن "القرآن" قائلا أنه "حمال أوجه"، فما بالكم بالحديث، أفلا يعقلون؟...
بالدين سيفعلون بكم كل شيء..بالدين يستعبدونكم لأنكم تخافون النار وتحبون الجنة وتخالون أولئك شفعاء لكم هنا وهناك..في الدنيا والآخرة...وهذه اللعبة يجب أن تنتهي و"الزين اللي ف "الإسلام السياسي" لم يعد يثير أحدا لأن كل حروفه أصبحت مقروءة...إلا لمن لا زال مصرا على تكريس خديعة تاريخية ومن لا زال يؤمن بمدينة فاضلة لم تكن يوما ولن تكون أبدا...لأننا..ب..ش...ر.
نعم..لا زال الفساد هو سيد الموقف.. ولا زالت الإدارة على حالها وليس هذا ذنبا حصريا اقترفه الإسلاميون.. إنهم مجرد ضحايا لأوهام عششت في أذهان الناس وخالوا إمكانية تحقيقها باسم "لحية القداسة"...نعم الفساد كائن وسيكون لطالما هناك إعلاء من قيمة اللحية على حساب الدماغ..لا زال الفساد، وسيظل قائما ما دام بعضكم يبيع ذمته ب200 درهم والبعض الآخر يبيعها لحلم ملتح لن يتحقق..
لست أرى صراحة بديلا عن حزب علماني بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وهو لا وجود له في الساحة السياسية الراهنة.. حزب يحمل المشعل.. يعلي من شأن العلم والثقافة، يضم قادة من طراز فكري رفيع... مهلا... أتوقف هنا.. لا زالت في رأسي أفكار كثيرة.. مواصفات مديدة.. لحزب علماني فاضل على الطريقة الغربية (مع تشبث غير قابل للمساومة بالخصوصية التاريخية والمعرفية الراهنة للوطن والتعامل المتدرج المنطقي مع حيثياتها)...ولكني أتوقف لأني وإن كان من حقي الحلم فما ليس من حقي هو "الشروع في الترويج للمدينة الفاضلة" قبل التيقن من مشروعية الحلم بكوني ألمس شيئا من أطرافها وأشم شيئا من روائحها الزكية...
"الزين اللي في المغرب" هو الأهم... المغرب العلماني المتقدم الحضاري الديمقراطي الحداثي المحافظ على هويته وملحمة "المغربي" فيه... بتفرده وتميزه.. الزين اللي في المغرب يجب أن يكون، ويجب أن يحدث، ويجب أن نواصل الحلم به لعله يتحقق، أما الزين اللي في "الإباحية" و"البترودولار" فقد سقطت عنه الجنسية منذ أزمنة بعيدة...

عن الأفكار العالقة وتفاصيلها أكتب لكم مقالا قادما ليس له عنوان









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ©2013