أخر الاخبار
...
...

تمازيغت

أخبار جهوية

أخبار وطنية

أخبار محلية

أخبار العالم

MELILLA

الفن والذاكرة

البيئة

الثلاثاء، 15 سبتمبر، 2015

الرحيل في زمن المحرمات الثقافية الكبرى بالمغرب (تكريما للمرحوم قاضي قدور في الذكرى الأربعينية لرحيله)


الحسين أيت باحسين 
أيها الإخوان،
باسمي الخاص ونيابة عن المكتب الوطني للجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، أقف أمامكم بكل خشوع وابتهال لأترحم على روح فقيدنا جميعا: الأستاذ الباحث قاضي قدور؛ فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه؛ وألهم ذويه وأسرته الصغيرة والكبيرة الصبر والسلوان، “وإنا لله وإنا إليه راجعون”.
أيها الإخوان،
إن مبادرة إحياء الذكرى الأربعينية من طرف “جمعية إلماس الثقافية”، لأحد أقطابها المؤسسين لها، ولتقاليد البحث العلمي في مجالات اهتماماتها، قصد تكريمه والتعريف بجهوده وأعماله على الساحة الثقافية ببلادنا، ليعد حدثا ذا أهمية يستحق منا التنويه والتقدير والإعجاب، فبارك الله فيكم – أعضاء جمعية إلماس الثقافية – وفي صنيعكم، وجزاكم الله خير جزاء؛ فما أحوجنا إلى تقدير وتقييم جهود وعطاءات رجالاتنا ومفكرينا وهم أحياء، فما بالك وهم أموات.
إن للمرحوم قاضي قدور فضلا كبيرا علينا. فلو أردنا أن نوفيه حقه في مثل هذه المناسبات لما استطعنا، فقد ارتبط اسمه في حياته باللغة والثقافة الأمازيغيتين في وقت لم تجرؤ فيه إلا قلة قليلة على أن يراهنوا – نضالا وبحثا ودراسة – على اختيار الاهتمام في مجال كان يعتبر آنذاك من المحرمات الثقافية الكبرى ببلادنا، ألا وهو فك الحصار عن اللغة والثقافة الأمازيغيتين.
إن ما خلفه المرحوم قاضي قدور، في مجال اللغة والثقافة الأمازيغيتين من بحوث ودراسات، وما ساهم فيه من ندوات وما ألقاه من محاضرات، وما حضره أو شارك في تحضيره من لقاءات ومهرجانات سيبقى شاهدا حيا على تضحياته وأعماله الجليلة من أجل تنمية الأمازيغية لغة وثقافة وحضارة.
يكفيه فخرا أن نقول عنه، أنه من الرعيل الأول للحركة الثقافية الأمازيغية ببلادنا: فقد اكتسب، وهو لا زال شابا يافعا، وطالبا مجدا، الوعي بذاته الأمازيغية، فاستيقظت همته باكرا ليدافع عن الأمازيغية دفاع الصرحاء والمناضلين المقتنعين بأهمية ومشروعية ما يدافع عنه، وليمارس هذا الوعي في مجال الواقع الثقافي والاجتماعي من خلال عمله ضمن “جمعية الانطلاقة الثقافية” بالناضور، ومن خلال حضوره الدائم وتواجده المستمر في كل الأنشطة المتعلقة بالأمازيغية في ربوع الوطن وخارجه.
فقد شارك في تحضير لقاءات الجامعة الصيفية بأكادير التي كانت منبرا للحوار الجاد والمسؤول، ليس فقط بين المهتمين والمشتغلين داخل الحركة الثقافية الأمازيغية، ولكن بين هؤلاء المهتمين بهما أكاديميا وبين فئة من ممثلي بعض الهيئات السياسية وبعض الفعاليات الثقافية التي لم تكن الأمازيغية ضمن برامجها واهتماماتها. وكان حضوره في لقاءاتها حضورا نضاليا واستراتيجيا يستند على الاقناع العلمي، والنضال المستمر ابتداء من لقائها الأول سنة 1980، حيث الصرخة المدوية الأولى ضد الحصار حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وانتهاءا بلقائها في سنة 1991، حيث ساهم بفعالية في مناقشة ميثاق أكادير قبل توقيعه من طرف مجموعة من الجمعيات الثقافية الأمازيغية، كأرضية مشتركة لنضالاتها في مختلف توجهاتها وعطاءاتها ومواقفها. كما أنه واكب بحضوره كل التظاهرات الثقافية الكبرى التي قامت بها “الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي”، حيث يستلهم أعضاؤها من الحوار معه ما من شأنه أن يجدد روح النضال الثقافي الأمازيغي باستمرار.
إن المرحوم قاضي قدور ما كان له أن يقوم إلا بمثل هذه الممارسات والتقاليد النبيلة في سبيل فك الحصار عن المركب اللغوي الثقافي الأمازيغي، نظرا لتكوينه ولتجربته العميقة في مجال البحث العلمي داخل الجامعة المغربية وفي أنشطة كثيرة هنا وهناك، داخل المغرب وخارجه كمثقف عضوي.
من أجل كل هذه المجهودات واعترافا له بالجميل بادرت جمعيتنا في إحدى تظاهراتها الوطنية بتسليمه شهادة تقدير على نضالاته وجهوده وأعماله في الحقل اللغوي والثقافي الأمازيغي، سلمت له خلال حفل أقامته بمناسبة ذكراها الفضية هو وثلة من من أبرز المفكرين والمبدعين بالأمازيغية.
أيها الإخوان،
لقد فقدت الحركة الثقافية الأمازيغية الأستاذ الباحث قاضي قدور في ظروف ما أحوجنا إليه وإلى أمثاله. لقد شاءت الأقدار أن يموت قبل الأوان، شاءت أن يغادرنا ومطالب الحركة الثقافية الأمازيغية بالمغرب لا زال جلها حبرا على ورق، ولم ينتقل ما قُبِل منها بعد إلى حيز التطبيق، وطال ما قُبِل منها، على مستوى التطبيق، نوع من الارتجال والتشويه.
لقد مات قاضي قدور قبل أن تتحقق بعض أحلامه ونتائج نضالاته الطويلة، كإقرار اللغة الأمازيغية في الدستور المغربي لغة وطنية ورسمية، وتدريسها في المؤسسات التعليمية، وجعلها تتبوأ مكانتها في الهيئات القضائية والمؤسسات الإدارية بالمغرب؛ لتساهم بدورها في التنمية الاقتصادية وفي السلم الاجتماعي، وفي الأمن الثقافي ببلادنا؛ وما أحوج بلادنا إلى هذه الأشياء في الوقت الراهن ضمن التحديات الدولية التي هي سمة اليوم، خاصة في هذه المجالات التي ليست فقط رهانات مثل بلادنا، بل هي رهانات كل المجتمعات المعاصرة اليوم.
في هذه الظروف شاءت الأقدار أن تخطف منا الباحث والمناضل قاضي قدور، وحيث أنه لا مرد لقدر الله؛ فلنبقى أوفياء لمُثُل فقيدنا المرحوم قاضي قدور.
“وإنا لله وإنا إليه راجعون”.
الحسين أيت باحسين
نائب الكاتب العام المكلف بالتواصل والتبادل الثقافي،
الذكرى الأربعينية لرحيل الدكتور قاضي قدور،
الناظور، 22 أكتوبر 1995.
نشرت في جريدة “تامونت” السنة الثانية، عدد 10، فبراير 1996، ص.11.
(“تامونت” جريدة كانت تصدرها الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي،
وذلك من سنة 1994 إلى سنة 1998، تهتم بالسياسة الثقافية وصدر منها 14 عددا).









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ©2013