أخر الاخبار
...
...

تمازيغت

أخبار جهوية

أخبار وطنية

أخبار محلية

أخبار العالم

MELILLA

الفن والذاكرة

البيئة

الجمعة، 25 ديسمبر، 2015

"مطالب الشعب المغربي" لـ1934 وميلاد الوعي الوطني الزائف


Erspress.com //محمد بودهان
الاثنين 21 دجنبر 2015 
يقول التاريخ المدرسي الرسمي إنه في فاتح ديسمبر 1934 أصدرت "كتلة العمل الوطني"، الممثلة لتيار "الحركة الوطنية" الناشئة آنذاك، وثيقة تعرف بـ"مطالب الشعب المغربي" أو "برنامج الإصلاحات المغربية" (سنعود إلى التسمية في ما بعد). هذه الوثيقة، أو المذكّرة، كانت التعبير الأول عن انبثاق وعي وطني حقيقي لدى رجال "الحركة الوطنية"، التي كانت أسطورة "الظهير البربري" وراء نشأتها وميلادها. وقد رفع هؤلاء هذه المذكرة المطلبية إلى الحكومة الفرنسية والسلطان محمد الخامس والمقيم العام.
باستثناء إشارات جد مقتضبة ومحتشمة إلى هذه الوثيقة، لا يقول التاريخ المدرسي الرسمي "للحركة الوطنية" شيئا عن الكيفية التي نشأت بها فكرة تحرير هذه الوثيقة، ولا عن محرريها، ولا عن اللغة التي حررت بها، ولا عمن اقترح التسمية التي تعرف بها، ولا عن مضمونها ومحتواها، ولا عن كل المشاركين في إعدادها وكتابتها... وهذا ما يتناقض مع الطريقة التي "صُنع" بها التاريخ المدرسي الرسمي "للحركة الوطنية"، الذي يضخّم أحداثا تافهة وصغيرة، ليجعل منها بطولات أسطورية وتضحيات خارقة تُنسب إلى هذه الحركة، مثل قراءة "اللطيف" في المساجد، أو وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 بعد 32 سنة من الاحتلال، والتي حررت في صفحة واحدة، في الوقت الذي نجد وثيقة "مطالب الشعب المغربي" تتضمن كتابا كاملا، مطبوعا ومنشورا، يتكون من 153 صفحة.
لقد كانت "كتلة العمل الوطني"، التي تُنسب إليها هذه الوثيقة، هي أول تنظيم سياسي عرفه تاريخ المغرب. كما أن غالبية قادتها ورجالاتها هم الذين تحمّلوا مسؤولية تسيير الدولة، التي سلمتها لهم فرنسا في 1956. ولهذا تعتبر النموذج الأصلي لكل أشكال التنظيمات السياسية التي ستظهر لاحقا أثناء الحماية وبعد الاستقلال، والتي لم تكن إلا امتدادا سياسيا وفكريا وإيديولوجيا وهوياتيا لهذا التنظيم التاريخي. فتأثيرها لا يزال إذن حاضرا في الحياة السياسية المعاصرة للمغرب وموجّها لها، عبر حضور إرثها السياسي والفكري والإيديولوجي. يضاف إلى ذلك أن هذا التنظيم عُرف واشتهر بهذه الوثيقة (مطالب الشعب المغربي)، التي كانت بمثابة عقد ميلاد "الحركة الوطنية"، وبمثابة أرضيتها الإيديولوجية المحرَّرة، لأول مرة، في شكل كتابي بعد أن كانت هذه الحركة تكتفي بترديد "اللطيف" شفويا في المساجد منذ صيف 1930.
فلماذا هذا "الحيف" التاريخي في حق وثيقة "مطالب الشعب المغربي"، كأنها وثيقة للحركة الأمازيغية وليس "للحركة الوطنية"؟ لماذا أهملت هذه الحركةُ، وهي التي كتبت التاريخ المدرسي الرسمي للمغرب المعاصر حسب هواها ومصالحها، هذه الوثيقةَ ولم تولها نفس الاهتمام الذي أولته لأحداث أقل شأنا من هذه الوثيقة؟ فهل تتضمن هذه الأخيرة ما يتعارض مع إيديولوجية "الحركة الوطنية" ومصالحها الفئوية، أو ما يكذّب بطولاتها وتضحياتها ومقاومتها للاحتلال؟
هذا ما سنجيب عنه ونناقشه في هذا المقال.
الوثيقة تناولت مفهوم الحماية من الناحية القانونية، قبل أن تقترح مجموعة من الإصلاحات تخص المجال السياسي، والقضائي، والاجتماعي، ومجال الاقتصاد والمالية، لتختم بفصل سمته "إصلاحات خاصة". وقد كتبت بأسلوب يبرز تمكّن محرريها بلغة القانون، ومعرفتهم بالطريقة التي تطبّق بها السلطات الفرنسية معاهدة الحماية في المغرب.
إلا أن اللافت أن محرريها حرصوا على الظهور كمهادنين و"متعاونين" مع سلطات الحماية، مطمئنين لها وموضّحين موقفهم، في التمهيد الذي استهلوا به الوثيقة، كما يلي: «برنامجنا ليس إذن سلبيا أو غير واقعي. ولا يتضمن أي شيء فيه ضرر أو خطر. وموقفنا تجاه الحماية واضح: نتبنّى المبادئ السياسية كما تستخلص من روح المعاهدات، ومن الخطب والتصريحات الرسمية للحكومة الفرنسية، وكما يحددها الفكر القانوني الفرنسي بهذا الخصوص» (Page XIV). فموقفنا «لا يجب نعته بالثوري أو المعادي لفرنسا» (Page XV).
حتى إذا كنا نتفهّم هذا الموقف المهادن و"المتعاون" "لكتلة العمل الوطني"، لأن الظروف (1934) لم تكن تسمح بالمطالبة بأكثر من احترام بنود معاهدة الحماية، وبإنجاز إصلاحات اقتصادية واجتماعية وإدارية وقضائية، إلا أن هناك سؤالا يتبادر إلى ذهننا بمجرد انتهائنا من قراءة وثيقة المطالب، ويتعلق بـ"الظهير البربري":
فعبارة "الظهير البربري" لم تذكر إلا مرة واحدة، وفي التمهيد (Page X) فقط وليس في صلب المطالب. كيف نفسّر هذا الغياب مع أن أسطورة "الظهير البربري" كانت السبب المباشر لنشأة "كتلة العمل الوطني"، كما يقول التاريخ المدرسي الرسمي؟ كيف نفسّر سكوت "الكتلة" عن هذه الأسطورة/الأكذوبة التي كانت علة وجودها وصانعة شهرتها وأمجادها؟ إن هذا الغياب لا يستقيم إذن مع مكانة "الظهير البربري" لدى هذه "الكتلة"، والذي كان بمثابة الباب الكبير الذي دخلت به التاريخ. كيف يعقل إذن أن لا تطالب، ضمن مطالبها الإصلاحية، بإلغاء ظهير 16 ماي 1930، الذي قرأت "اللطيف" في المساجد رفضا له واحتجاجا عليه، مع العلم أنه كان ساري التطبيق في 1934 عند صدور "مطالب الشعب المغربي"؟
فهذا قد يعني: إما أن أصحاب "اللطيف"، المشكّلين "لكتلة العمل الوطني"، يعترفون ضمنيا أن "الظهير البربري" لم يوجد، بل هو مجرد أكذوبة اختلقوها، وبالتالي فلا يمكنهم المطالبة بإلغاء شيء لا وجود له. ولهذا اكتفوا بالمطالبة بإلغاء القرارات التي تخص "السياسة البربرية" ـ وهذه كانت موجودة بالفعل وليست أكذوبة ـ لكن دون ذكر صريح "للظهير البربري". وإما أن محرري هذه الوثيقة ليسوا هم أعضاء "كتلة العمل الوطني"، الذين تُنسب إليهم "مطالب الشعب المغربي".
وهنا نصل إلى السؤال الذي هو الموضوع الأساسي لهذه المناقشة:
هل من الممكن أن لا يكون أعضاء "كتلة العمل الوطني" هم من كتبوا وثيقة "مطالب الشعب المغربي"؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن كتبها إذن؟ وما هي، إذا صحت هذه الفرضية، نتائج كون مطالب "كتلة العمل المغربي" ليست من عمل هذه الكتلة نفسها؟
هذه الوثيقة أعدت على شكل كتاب يتكون من 153 صفحة من الحجم المتوسط، ويحمل عنوان: "Plan de Réformes Marocaines" (مخطط (أو برنامج) الإصلاحات المغربية). وتلي العنوان بصفحة الغلاف العبارة التالية: «أعده وقدّمه إلى جلالة السلطان وإلى حكومة الجمهورية الفرنسية وإلى الإقامة العامة بالمغرب لجنة العمل المغربي».
«Élaboré et présenté à S. M. le Sultan, au Gouvernement de la République française et à la Résidence Générale au Maroc par le Comité d'Action Marocaine».
مع كتابة عبارة (Comité d'Action Marocaine) بشكل بارز وبالبنط العريض.
وبالصفحة الثانية (P. II)، لائحة أعضاء "لجنة العمل المغربي"، على هذا الشكل:
Omar ABDELJALIL
Abdelaziz BENDRISS
Ahmed CHERKAOUI
Mohamed DlOURI.
Mohamed Allai FASSI
Mohamed GHAZI
Boubker KADIRI
Mohamed LYAZIDI
Mohamed Mekki NACIRI
Mohamed Hassan OUAZZANI
بالنصف الأسفل من الصفحة (II)، كتبت ملاحظة (Note) تقول: «هذا البرنامج، الذي أعدّته بالعربية "لجنة العمل المغربي"، ترجم إلى الفرنسية من طرف بعض أعضائها. ولأن طبع المنشورات ليس حرا في المغرب، فقد اضطرت اللجنة إلى طبع هذا الكتاب في القاهرة. إلا أن النسخة العربية، التي انتُهي من طبعها في شتمبر، تحتوي على أخطاء وحذف بسبب عدم انتباه مسؤولي المطبعة[...]. ولهذا اعتُمدت النسخة الفرنسية باعتبارها كاملة. لكن نسخة عربية مصححة هي في طور الإعداد». يفهم من هذه الملاحظة أن الوثيقة حررت بالعربية، ثم ترجمت إلى الفرنسية. كما أن هناك إشارة على صفحة الغلاف تقول: «الطبعة الفرنسية 1934 ـ 1353 من الهجرة». وهو ما يستنتج منه أن هناك طبعة بلغة أخرى، هي العربية طبعا (هذه الإشارة موجودة فقط في الطبعة الورقية الأصلية ومحذوفة من النسخة المنشورة على الأنترنيت).
لكن هذه النسخة العربية الأصلية، التي يفترض أن النسخة الفرنسية ترجمة لها، تطرح علينا عدة أسئلة:
ـ أين ولماذا اختفت هذه النسخة العربية الأصلية؟ فحتى المرحوم بوبكر القادري، الذي كان بمثابة "أرشيف" "الحركة الوطنية"، والذي هو أحد أعضاء "كتلة العمل الوطني"، كان يتهرّب ويوارب عندما يُسأل عن النسخة العربية، حسب ما أفادني به الذي سلّمني نسخة من الطبعة الفرنسية الأصلية، والتي أمدّه بها الراحل بوبكر القادري نفسه عندما كان على قيد الحياة، تغمّده الله برحمته.
ـ وإذا لم يتوفق أعضاء "كتلة العمل الوطني"، لسبب من الأسباب، في إصدار طبعة عربية مصححة لوثيقة الإصلاحات، كما وعدوا بذلك في النسخة الفرنسية، فلماذا لم يوضّحوا ذلك ويقرّوا به حتى يوضع حدّ للشكوك والتساؤلات حول مآل هذه النسخة العربية؟
ـ وإذا كان صحيحا أن النسخة الفرنسية هي ترجمة للنص العربي، فأين هو المخطوط العربي الأصلي؟ لماذا اختفى هو أيضا؟ هل يعقل، لو كان موجودا، أن لا يكون من الأرشيفات النفيسة في "متحف" "الحركة الوطنية"، على غرار وثيقة المطالبة بالاستقلال؟ هل يعقل أن يختفي، هكذا، جزء هام من تاريخ المغرب، ودون أن يتخذ صانعو هذا التاريخ كل الاحتياطات للحفاظ على ما يوثّق لهذا التاريخ، كما فعلوا مع أحداث ووثائق أقل أهمية من "مطالب الشعب المغربي"؟
وتطرح النسخة الفرنسية، التي بين أيدينا، هي أيضا، عدة أسئلة في حالة اعتبارها نسخة مترجمة من العربية، كما تدّعي الوثيقة نفسها:
ـ كل من يجيد الفرنسية والعربية، وله دراية بفن الترجمة، سيلاحظ بسهوله أن فرنسية النسخة الفرنسية لا تتضمن أية قرائن تدل على أنها نص مترجم من العربية ولا من لغة أخرى، بل كل القرائن تؤكد العكس، أي أن النص الفرنسي أصلي وليس مترجما.
ـ النسخة الفرنسية كتبت بأسلوب أدبي راقٍ جدا، لا يمكن أن يكتب به إلا من يتملّك الثقافة الفرنسية، وخبِر الكتابة باللغة الفرنسية، وهو ما يتطلب سنوات من القراءة والاطلاع وممارسة الكتابة بالفرنسية، وهو شيء لم يتوفر لشباب "كتلة العمل الوطني"، دون أن يعني ذلك أننا لا نعترف بنجابتهم وتفوقهم في الدارسة والتحصيل.
ـ ثم لو أن النص حررته أصلا وفعلا بالعربية "كتلة العمل الوطني"، فلماذا نسبته، في النسخة الفرنسية المترجمة، إلى "لجنة العمل المغربي"، بدل التسمية الأصلية التي هي "كتلة العمل الوطني"؟ هل يعقل أن كاتب النص العربي، الذي أصدره باسم "كتلة العمل الوطني"، سيترجمه باسم "لجنة العمل المغربي" بدل الاسم الأصلي للمؤلف، الذي (الاسم) هو "كتلة العمل الوطني"؟ هذا يعني أن التسمية وضعت أصلا بالفرنسية، وهي "لجنة العمل المغربي"، ثم ترجمت في ما بعد إلى "كتلة العمل الوطني". وهي ترجمة فيها تأويل وتحوير للتسمية الفرنسية الأصلية.
والدليل أن التسمية الأصلية لمؤلف الوثيقة هي "لجنة العمل المغربي" وليس "كتلة العمل الوطني"، هو ـ ورغم التقارب في دلالة التسميتين ـ أن هناك فرقا بين العبارتين على مستوى مضمونهما السياسي: فعبارة "كتلة العمل الوطني" تدل على وعي سياسي بمستوى أعلى مما تتضمنه عبارة "لجنة العمل المغربي". وبالتالي فلا يعقل، منطقيا وواقعيا، أن يستعمل محررو الوثيقة عبارة "كتلة العمل الوطني"، بمعناها السياسي المتقدم، للإشارة إلى المؤلف الأصلي للوثيقة، ثم ينزلون، عندما يترجمون نفس الوثيقة إلى الفرنسية، إلى مستوى سياسي أدنى باستعمال عبارة "لجنة العمل الوطني". فالعكس، أي الانتقال من "لجنة العمل المغربي" إلى "كتلة العمل الوطني"، هو الذي كان سيكون منطقيا ومقبولا.
ولهذا فلا نعرف بالضبط متى ظهرت واستعملت عبارة "كتلة العمل الوطني". أما ما يزعمه التاريخ المدرسي الرسمي أنها ظهرت مع صدور وثيقة الإصلاحات في فاتح ديسمبر 1934، فالوقائع والحقائق التي عرضناها تكذّب هذا الزعم، لأن الوثيقة صدرت باسم "لجنة العمل المغربي"، التي لم تتحول إلى "كتلة العمل الوطني" إلا في تاريخ لاحق لصدور الوثيقة.
وبالإضافة إلى هذه الاستنتاجات التي تؤكد أنه من المستحيل أن تكون "لجنة العمل المغربي" (وليس كتلة العمل الوطني) هي التي حررت نص "الإصلاحات" بالعربية، لتترجمه بعد ذلك إلى الفرنسية كما تزعم الوثيقة نفسها، هناك الدليل القاطع على أن النص لم تحرره هذه اللجنة لا بالعربية ولا بالفرنسية، وإنما حرره الفرنسيون بلغتهم الفرنسية. ففي الصفحة (III)، نقرأ، وبالبنط العريض، "لجنة الرعاية"، وتحتها تعداد للشخصيات الفرنسية التي رعت واحتضنت برنامج الإصلاحات، كما يلي:
Comité de patronage
Délégation
- Jean Longuet, député de la Seine, Vice-President de la Commission des Affaire étrangères de la chambre.
-Jean Piot, député de Paris, rédacteur en chef de «L'Œuvre », membre de la commission des affaires étrangères de la Chambre.
-Pierre Renaudel, député du Var, Président du Parti Socialiste de France.
- François de Tessan, ancien ministre, député de Seine-et-M arne, Vice-Président de la commission des affaires étrangères de la chambre.
- Gaston Bergery, ancien député, membre du comité central de la Ligue des Droits de l'Homme et du Citoyen.
- André Berthon, ancien député.
- C. Campinchi, député de la Corse, Vice-President du Groupe Radical-Socialiste de la Chambre.
- Henri Clerc, député de la Haute-Savoie, homme de lettres.
-Gabriel Cudenet, président du Parti Radical-Socialiste «CamiIle-Pelletan».
- Félicien Challaye, Agrégé de philosophie.
- Robert-Jean-Longue, rédacteur en chef de «Maghreb»
- Georges Monnet, député de l'Aisne.
- Magdeleine Paz, écrivain.
- Louis Roubaud, écrivain.
- André Viollys, écrivain
هناك إذن خمسة عشرة شخصية فرنسية، منهم سياسيون وبرلمانيون وفلاسفة وكتاب ووزير سابق، هم الذين رعوا واحتضنوا برنامج الإصلاحات. وبما أن وثيقة هذا البرنامج لم تحررها لا "كتلة العمل الوطني"، لأنها لم تكن موجودة، ولا "لجنة العمل المغربي"، لأن ذلك مستحيل كما بيّنا وأوضحنا، فلا يمكن أن يكون محرروها، وبالفرنسية طبعا، إلا هؤلاء الفرنسيون أنفسهم.
فالجواب عن الأسئلة التي طرحنها بصدد الوثيقة، وخصوصا ما يتصل بكتابتها واللغة التي كتبت بها، يعطيه لنا أعضاء اللجة الفرنسية الراعية والمحتضنة لبرنامج الإصلاحات. فمما لا شك فيه أن فكرة برنامج الإصلاحات هم أصاحبها الأصليون، وليس "لجنة العمل المغربي" الي تنسب إليها هذه الفكرة، وأنهم هم من كتب الوثيقة بلغتهم الفرنسية، عكس ما قيل بأن النص الفرنسي مترجم من النص العربي الذي لم يوجد أبدا، كما شرحنا.
أما الاعتراض أن من الممكن أن يكون هؤلاء الفرنسيون مجرد متعاطفين مع "لجنة العمل المغربي"، و"فاعلي خير" قدموا المساعدة "للوطنيين" المغاربة برعاية برنامجهم الإصلاحي واحتضانه، دون ان يكونوا هم أصحاب المبادرة ولا هم محررو الوثيقة التي تتضمن البرنامج، فهو (الاعتراض) مردود، لأن:
ـ لو كانوا فقط "فاعلي خير"، فلماذا أخفت "الحركة الوطنية" هذا المعطى "الخيري" ولم تذكره عند حديثها عن "مطالب الشعب المغربي"، ولم توضّح أن مجموعة من الفرنسيين ساعدوا "كتلة العمل الوطني" في طبع ونشر "مطالب الشعب المغربي" الذي حررته هذه الكتلة؟ لماذا التستر عن هذه اللجنة الفرنسية لو كان الأمر بريئا يتعلق فقط بالمساعدة وفعل الخير؟ بل لماذا التستر عن وثيقة "مطالب الشعب المغربي" التي اختفت، كما سبقت الإشارة، من المكتبات وحتى من الوثائق التاريخية "للحركة الوطنية"، لو لم تكن تتضمن ما يكذّب ادعاءات هذه الحركة؟
ـ لو كان هؤلاء الفرنسيون مجرد "فاعلي خير"، فلماذا كذبوا عندما أكّدوا أن الوثيقة كتبت بالعربية ثم ترجمت إلى الفرنسية، وهم يعلمون علم اليقين أنها لم تكتب بالعربية أصلا؟ إن تعمّدهم الكذب والافتراء دليل أن نيتهم كانت سيئة وتواطئية، ترمي إلى تزوير الحقيقة وتزييفها لفائدة "لجنة العمل المغربي"، حتى تدخل التاريخ كناطقة باسم الشعب المغربي لمطالبتها للسلطات الاستعمارية بإصلاحات باسم هذا الشعب المغربي.
وليس من الضروري أن يكون كل الأعضاء الخمسة عشر للجنة الفرنسية متواطئين من أجل خلق "لجنة العمل المغربي" وتحرير برنامج إصلاحي باسمها. فيكفي أن يكون هناك أعضاء، مهما كان عددهم محدودا ضمن اللجنة الفرنسية، يمسكون بالخيوط ويتحكمون في اللعبة في غفلة من باقي الأعضاء، ويوجهون المشروع حسب ما ترسمه وتريده السلطات الفرنسية، ليكون هناك تواطؤ فرنسي استعماري من أجل خلق "لجنة العمل المغربي"، التي ستتحول إلى "كتلة العمل الوطني"، وخلق برنامجها الإصلاحي الذي سيتحول إلى "مطالب الشعب المغربي".
هذا المعطى، المتعلق بالمصدر الفرنسي "للجنة العمل المغربي" ولبرنامجها الإصلاحي، والذي لم يسبق أن ذكرته "الحركة الوطنية" ولا كشف عنه التاريخ المدرسي الرسمي، يبيّن:
ـ أن "برنامج الإصلاحات المغربية" ("مطالب الشعب المغربي" كما تسميه "الحركة الوطنية")، هو في الحقيقة برنامج فرنسي، إذ أعدّه وحرره فرنسيون وليس مغاربة.
ـ وأن ما يتداوله التاريخ الرسمي حول هذا البرنامج ودور "الحركة الوطنية فيه"، هو تزوير للحقائق وافتراء على الوقائع.
لكن السؤال هو: ما هي مصلحة هؤلاء الفرنسيين في إعداد هذا البرنامج الإصلاحي وعزوه إلى "الحركة الوطنية"؟
يجب أن نعرف أنه في 1934 كانت فرنسا قد بسطت نفوذها على كامل التراب المغربي بعد استسلام آخر القبائل المقاومة. فمع هذا التاريخ، ستنتهي إذن مرحلة الاحتلال العسكري لتبدأ مرحلة الاحتلال "السلمي". فبعد القضاء على المقاومة العسكرية، كان على فرنسا أن تخلق نخبة محلية، مهادنة ومسالمة ومتعاونة مع سياسة الحماية، تستعملها فرنسا كمحاور لها وكناطقة باسم الشعب المغربي، حتى تبرر سياستها الاستعمارية بادعاء أن هذه السياسة هي ما يطالب به الشعب المغربي من خلال ممثليه، الذين هم هذه النخبة الوطنية الجديدة. ولهذا عملت فرنسا، من خلال سياسيين وبرلمانيين يتظاهرون بالتعاطف مع المغرب، على خلق وتكوين نخبة موالية سمتها "لجنة العمل المغربي"، لتكون هي الطرف المغربي "الرسمي" المتحاور مع فرنسا حول كل ما يتعلق بالشأن المغربي. ولم يأت اختيارها لهذه النخبة اعتباطيا، بل نتيجة تفكير وتقدير. فقد اختارت أعضاءها من بين أصحاب "اللطيف" الذين كانوا، منذ صدور ظهير 16 ماي 1916، يتظاهرون بالمعارضين لسياسة الحماية، والرافضين لما سموه "الظهير البربري". فعملت فرنسا على احتوائهم وتكوينهم وتأطيرهم في شكل "لجنة العمل المغربي". وحتى تنجح الخطة، كان لا بد من إعداد أرضة إيديولوجية وسياسية تنسب إلى هؤلاء، وتعطي لهم المشروعية والمصداقية حتى يظهروا كممثلين للشعب المغربي. هذه الأرضية، الإيديولوجية والسياسية، هي وثيقة "برنامج الإصلاحات المغربية" الذي حرره الفرنسيون، كما سبق بيان ذلك. وهذه الوثيقة الفرنسية، التي كتبها الفرنسيون لصالح "لجنة العمل المغربي"، التي أنشأها أيضا الفرنسيون، ستشكل عقد ازدياد "الحركة الوطنية"، بدءًا من تغيير أعضاء اللجنة لتسميتها الفرنسية الأصلية، التي هي "لجنة العمل المغربي"، بـ"كتلة العمل الوطني"، و"لبرنامج الإصلاحات المغربية" بـ"مطالب الشعب المغربي"، حتى يظهروا أنهم ممثلون للشعب المغربي، ومدافعون عن مصالحه، وناطقون باسمه.
وبالفعل ستنجح الخطة الفرنسية، وسيصبح هؤلاء "الممثلين" للشعب المغربي، والمتحاورين الرسميين مع السلطات الفرنسية إلى أن سلّمت لهم، بعد مغادرتها المغرب في 1956، دولتها العربية الجديدة، التي أنشأتها في 1912. هذه الخطة، التي أعدتها فرنسا، كانت متكاملة ومنسجمة مع سياستها الاستعمارية: فبعد أن خلقت دولة عربية جديدة بالمغرب في 1912، كان عليها أن تخلق نخبة محلية تدافع عن عروبة هذه الدولة، وعروبة المغرب وشعبه المغربي. وهذا التعريب، للدولة والوطن والشعب، والذي اتخذ شكل تحويل جنسي جماعي للمغاربة، يشكل النواة الصلبة لإيديولوجية "الحركة الوطنية" منذ نشأتها الرسمية في فاتح ديسمبر 1934، عبر إنشاء فرنسا "للجنة العمل المغربي" وإصدارها لوثيقة "برنامج الإصلاحات"، التي كانت ـ كما سبقت الإشارة ـ بمثابة الأرضية الإيديولوجية والسياسية لـ"كتلة العمل الوطني"، التي هي نفسها "لجنة العمل المغربي" الفرنسية، كما سبق شرح ذلك. كل هذا يجعل من "الحركة الوطنية"، سليلة "لجنة العمل المغربي" الفرنسية، الوجه الوطني المغربي للحماية الفرنسية، كما شرح ذلك الأستاذ محمد أجعجاع في إحدى محاضراته حول الموضوع. طبعا ستنشأ خلافات بين فرنسا و"نخبتها الوطنية" المغربية، كما يحدث ذلك دائما بين الأصدقاء وحتى بين الإخوة الأشقاء، فتعمد (فرنسا) إلى نفي البعض وسجن البعض الآخر. وقد ساهمت هذه الإجراءات التأديبية في الرفع من الرأسمال الرمزي والإيديولوجي لهذه النخبة، الشيء الذي ضمن لها أن تكون المحاور الوحيد الممثل للطرف المغربي في مفاوضات "إيكس ليبان"، التي بموجبها سلمت فرنسا دولتها العربية لهذه النخبة، حتى تواصل نفس السياسة التعريبية والتحويلية (التحويل الجنسي والهوياتي للشعب المغربي) التي بدأتها فرنسا في 1912.
هذه هي حقيقة "مطالب الشعب المغربي" وأصولها الفرنسية. ولكن الأهم والأخطر في هذه الحقيقة، هو أنها كانت بداية لنشأة وعي "وطني" زائف، أي غير وطني. لماذا هو وعي زائف وغير وطني حقيقي؟
ـ لأنه قام على الزيف والكذب وتزير الحقائق، كما في ادعاء أن "برنامج الإصلاحات المغربية" هو من تحرير "كتلة العمل الوطني"، مع أن محرريه الحقيقيين هم فرنسيون، كتبوه باسم "لجنة العمل المغربي" وليس "كتلة العمل الوطني"، التي لم تكن موجودة عند صدور الوثيقة ذات الأصل الفرنسي.
ـ لأن أصله أجنبي فرنسي، كما رأينا، وليس وطنيا مغربيا. فالأرضية الإيديولوجية والسياسية (مطالب الشعب المغربي) لهذا "الزيف الوطني"، أو "الوطنية الزائفة"، خلقها وكتبها فرنسيون وليس مغاربة. وهم الذين خلقوا "لجنة العمل المغربي" التي ستتحول إلى "كتلة العمل الوطني"، التي هي أصل وبداية "الحركة الوطنية" التي ستبني مفهوم الوطنية على احتقار الذات، ومحاربة كل ما هو محلي ومغربي أصيل. ولهذا تشكل النزعة الأمازيغوفوبية الخاصية الجوهرية لهذه "الوطنية" اللاوطنية، كما شرح ذلك الدكتور مصطفى قاديري في كتابه "وطنية باحتقار الذات". إن هذه "الوطنية" تعبير عن وعي زائف ولاوطني، لأن منشأه أجنبي فرنسي، ولأنه معادٍ أصلا لما يشكل روح هذا الوطن، وهو انتماؤه الأمازيغي.
ـ لأنه جعل المغرب وشعبه فاقدين لهويتهما الخاصة، التي تميزهما عن الأوطان والشعوب الأخرى، وهي الأمازيغية التي يشكل إقصاؤها ورفضها علة وجود هذا الوعي الوطني الزائف، والتي عمل هذا الوعي على استبدالها بهوية مشرقية أجنبية، كأن المغاربة "لقطاء" لا هوية ولا انتماء لهم حتى يُلحقوا بهويات أجنبية. وهذا هو الزيف والتزييف. ولهذا ننعت هذا الوعي بالزائف.
وإذا كان العديد من المغاربة سبّاقين لتبني ونشر مثل هذا الوعي الزائف، عندما انتحلوا النسب العربي وخلقوا لغة عربية خاصة بهم، وهي الدارجة، حتى يظهروا كأنهم عرب حقيقيون، إلا أن هذا الوعي الزائف كان مقصورا على مجموعة من الأسر وجدت في هذا الزيف والتزييف مصدرا لامتيازات سياسية ودينية واجتماعية... أما الوعي الزائف الجديد، فقد اتخذ بعدا جماعيا ووطنيا عملت "الحركة الوطنية" على تعميمه ونشره وترسيخه، من خلال سياسة التعريب العرقية والسياسية والهوياتية والإيديولوجية، والتي لا علاقة لها باللغة العربية رغم استعمال تلك السياسة للعربية كمبرر لإيديولوجية الوعي الزائف، بل إن العربية هي الضحية الأولى لهذه السياسة التعريبية، لأنها لا ترمي إلى فرض العربية مكان الفرنسية، بل إلى فرض العروبة العرقية مكان الأمازيغية الترابية، مع ما يعني ذلك من تحويل جنسي وهوياتي جماعي للشعب المغربي، بعد أن كان ذلك مقصورا في الماضي على حالات فردية محدودة.
الخطير في هذا الوعي الوطني الزائف، الذي ترجع أصوله إلى وثيقة "برنامج الإصلاحات المغربية"، التي أعدها وكتبها فرنسيون ونسبوها "للجنة العمل المغربي" حتى يكون ذلك الوعي الزائف مغربيا، هو أن هذا الوعي الزائف، ذا المصدر الاستعماري الفرنسي، تحوّل، بعد الاستقلال، وعبر انتشار إيديولوجية "الحركة الوطنية" التي قامت على هذا الوعي الزائف والحاملة له، إلى سياسة للدولة، به تخطط وتضع المشاريع، وتحدد الأهداف في ما يخص التنمية والتعليم على الخصوص، وبه تنجز وتنفذ مخططاتها ومشاريعها. وهذا ما يفسر تخلف النظام التعليمي بالمغرب بشكل جعل المغرب يبقى متخلفا رغم إمكاناته البشرية والطبيعية والاقتصادية الهائلة. ذلك لأن المدرسة المغربية، التي تملأ عقول الناشئة بالوعي الزائف "للحركة الوطنية"، تساهم في إنتاج وإعادة إنتاج مواطنين يحملون نفس الوعي الزائف، مما يجعل المغرب يدور في حلقة مفرغة لا يمكن التخلص منها إلا بالتخلص من إيديولوجية الوعي الزائف "للحركة الوطنية"، وذلك بالعودة إلى الوعي الوطني السليم، الذي تمثله الهوية الأمازيغية ذات الارتباط الحقيقي بالوطن، لأنها تعبر عن الانتماء إلى تربة هذا الوطن، وليس إلى وعي صنعته فرنسا أو العروبة العرقية. ولا ننسى إن هذا الوعي الزائف، المعادي للأمازيغية، هو الذي يشكل العامل الإيديولوجي للحركة الانفصالية لعصابة "البوليساريو"، التي تريد إقامة جمهورية عربية لتنفصل عن "ولاد الشليحات"، كما تسمي المغاربة، إشارة إلى انتمائهم الأمازيغي. فالعداء للأمازيغية، وهو نفس العداء الذي تحمله "الحركة الوطنية"، هو أحد الأسباب الإيديولوجية للحركة الانفصالية.
أنبّه كل الذين سيغضبهم هذا المقال، ويرفضون ما جاء فيه ولا يتفقون مع مضمونه، أن عليهم، قبل أن يغضبوا ويرفضوا، أن يقرأوا وثيقة "برنامج الإصلاحات المغربية" المتوفرة بالفرنسية، التي هي اللغة الأصلية والوحيدة التي كتبت بها. وإذا وجدوا أن اللجنة الفرنسية المتكونة من خمسة عشر عضوا، والتي احتضنت المشروع وأشرفت عليه من أوله إلى آخره وحررت الوثيقة بلغتها الفرنسية، مجرد اختلاق لا علاقة له بالحقيقة التاريخية، آنذاك يصح لهم أن يستنكروا ويشتموا ويحكموا على المقال بالبهتان والافتراء.
يقول أبراهام لينكولن: «يمكن خداع جزء من الشعب في كل الأوقات، وكل الشعب في أوقات معيّنة. ولكن لا يمكن خداع كل الشعب وفي كل الأوقات». نفس الشيء بالنسبة "للحركة الوطنية": لقد خدعت جزءا من المغاربة في كل الأوقات، وخدعت كل المغاربة في أوقات معيّنة. ولكنها لا تستطيع أن تستمر في خداع كل المغاربة وفي كل الأوقات. فحبل الكذب قصير، كما يقال.









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ©2013