أخر الاخبار
...
...

تمازيغت

أخبار جهوية

أخبار وطنية

أخبار محلية

أخبار العالم

MELILLA

الفن والذاكرة

البيئة

الثلاثاء، 19 يناير، 2016

رشيد الحاحي: عن الديمقراطية التشاركية "الإيمايلية"


بقلم/رشيد الحاحي
يعرف الباحثون الديمقراطية التشاركية بالإجراءات والعمليات التي تمكن المواطنين من المساهمة في اتخاذ القرار السياسي وسن القوانين، وتضمن انخراطهم في الشأن العام وتحقيق الشفافية في القرارات العمومية وتعزيز منظومة الحكامة. وتسعى إلى تجاوز بعض أشكال القصور والعجز التي تعرفها الديمقراطية التمثيلية، وذلك عبر إشراك الجميع وأساسا الفاعلين الاجتماعيين والمجتمع المدني الذي تدعم دوره كسلطة مستقلة، خاصة أن العديد من الحركات الاجتماعية والقوى المجتمعية كالنسائية والثقافية والبيئية...، لم تعد تثق في الفاعل السياسي ولا ترى في تمثيليته الشكل المناسب والجدي للتعبير عن حاجياتها وتصوراتها وإيجاد الحلول المناسبة لها.
وفيما كان من المنتظر أن تفعل الحكومة الحالية بالمغرب المقتضيات المتعلقة بالديمقراطية التشاركية التي نص عليها الدستور، سواء فيما يرتبط بقانون تقديم العرائض وتقديم ملتمسات التشريع والمقترحات في جدول أعمال المجالس، أو فيما يتعلق بمنهجية سن القوانين والقوانين التنظيمية التي تتطلب إشراك فعلي لمختلف القوى والفاعلين الاجتماعيين والمجتمع المدني، استطاعت الحكومة أن تجد لاختيارها ومقاربتها ومنهجيتها مسوغا شكليا جديدا وغير مسبوق في التجارب الديمقراطية، وهو ما يمكن أن يصطلح عليه ب"التشاركية الإيمايلية". 
فبعد الشروط التعجيزية التي تضمنها القانونان التنظيميان المذكورين، خاصة اشتراط 25 ألف توقيع بالنسبة لملتمسات التشريع و7200 توقيع بالنسبة لعرائض الطعن في القرارات الحكومية، يبدو أن مقاربة الحكومة في سن القانونين التنظيميين للمجلس الأعلى للغات والثقافة المغربية ولتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية فضلت أن تختزل الطريق وتتفادى أعباء المشاورات والتشاركية الفعلية، وما تتطلبه من لجن تمثيلية وناجعة، ومنهجية حكامتية فأبدعت "التشاركية الإيمايلية" وهي تشاركية افتراضية يكتنف اللبس أطرافها وقناتها ومضمونها، تفتقد إلى كل الضمانات، وهي بذلك تضمن كامل شروط السرية والغموض والانفراد بالقرارات وبسن القوانين.
فإذا كانت التجارب الديمقراطية التي أرست قواعد المشاركة الفعلية في التشريع وتدبير الشأن العام توظف إمكانيات التواصل التي توفرها التكنولوجيات الحديثة، بل أن بعضها قنن صيغة العرائض الالكترونية والتصويت الالكتروني، فالتشاركية الإيمايلية هي إجراء سريع يتلخص في إصدار بلاغ مقتضب يخبر ب"فتح الباب لتلقي مذكرات واقتراحات المجتمع المدني والفاعلين والمهتمين وذلك بالبريد الإليكتروني على العنوان التالي"، كما في بلاغ رئاسة الحكومة حول القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، أو "حرصا على إشراك فعاليات المجتمع المدني ذات التجربة المعتبرة ستشرع اللجنة في استقبال المذكرات الاقتراحية للهيئات المدنية ذات الصلة على العنوان الالكتروني"، كما جاء في بلاغ لجنة المجلس الأعلى للغات والثقافة المغربية. هذا مع تجنب النقاش والمشاركة الفعلية في سن قوانين ذات بعد استراتيجي، وتحديد الآجال في أقل من شهر، والإسراع والاكتفاء بمشاورة افتراضية وشكلية، تمهيدا لتبرير مشاريع ومخرجات يبدو أنها معدة قبلا، أو بشكل غامض يفتقد إلى شروط المنهجية الديمقراطية والمشاركة الفعلية الضامنة للوضوح والجودة والإنصاف.
فبعد أربع سنوات ونصف من التأخير غير المبرر، وبعد استنزاف طاقات الفاعلين ومكونات المجتمع المدني وتبخيسها بالانتظارية والنقاشات غير المجدية، والتملص من تحمل المسؤولية الدستورية تارة، والتوظيف السياسوي للموضوع تارة أخرى، يبدو أن صيغة "التشاركية الإيمايلية" هي الحل الذي أبدعه الدهاء السياسي لتدارك كل ما فات. فالتشاركية "الإيمايلية" على طريقة الحكومة المغربية هي إبداع جديد في زمن السرعة يمكن أن نسميه بالديمقراطية التشاركية السريعة participatory democracy Fast، على شاكلة الوجبات السريعة، لكن الإشكال الذي تطرحه كل أصناف هذه المنتوجات والوصفات السريعة هو أنها لا تستوفي الشروط الصحية، وتكون سريعة الفساد Disposable/ Jetable!









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ©2013