أخر الاخبار
...
...

تمازيغت

أخبار جهوية

أخبار وطنية

أخبار محلية

أخبار العالم

MELILLA

الفن والذاكرة

البيئة

الجمعة، 1 أبريل، 2016

الحاج عبد القادر الطيب "القسم والخيانة العظمى"


بقلم/عاشور العمراوي
ترجمة بتصرف عن :
El Protectorado español en Marrueco/José Manuel Guerrero Acosta
عبارة "المطيعين" (Los Leales) ، هي الصفة التي اطلقها المؤرخ الإسباني عن العملاء "أصدقاء إسبانيا" وهو يتحدث عن تاريخ مليلية، وبشكل خاص في بداية الأحداث التي ستؤرخ للعمليات العسكرية قوية الصدى بالمنطقة، والتي ستحمل بالمناسبة أخبارا على صفحات ال (Telegrama de rif)، تحت عناوين متعددة، تارة تخدم مصالح إسبانيا ومعنويات جيشها الإستعماري بالريف، وتارة اخرى، وفي قالب تمويهي للأحداث، تأتي العناوين على الأخضر واليابس في السياسة العسكرية الإسبانية إلى حد إسقاط الحكومات، مثل حكومة مورا كحدث أكبر بكثير تسبقه العديد من الأحداث الاصغر حجما في تأثيرها، مثل تخصيص رشاوي هائلة لشراء ذمم قيادات المقاومة الريفية الباسلة.
فواحد من المطيعين الأغرب في تاريخ البشرية أجمع، هو بلا شك صديق إسبانيا الحاج عبد القادر الطيب بن الشيكري احمد الحاج، شيخ قبيلة آيث شيشار، هذه القبيلة التي كانت عبارة عن سيف مسلط على رقبة مليلية منذ رومانيتها كروسادير، لم يجرئ الرومان على التوسع اكثر مما حملت تلك الصخرة من أحجار متراصة لخلق قلعة عسكرية للإحتماء من الغزوات الليلية وسهام المقاومة. هذا الشيخ المطيع الذي لا يجد اصله في القبيلة بما انه هاجر إليها في القرن الثامن عشر ليستقر بها وعائلته قادما من قبيلة آيث سعيذ، تكمن غرابته في القسم الذي ردده رفقة القبطان خيمينيز أورطونيذا داخل مليلية كتعهد على الطاعة والعمل على حماية مليلية، ويقول القسم بما يفيد أنه ( أقسم بأن نموت معا في سبيل إسبانيا وبقاء مليلية) وأنهم سينتحرون معا في حال أصاب مليلية أي مكروه.
ولا شك أن هذا القسم الإنتحاري لا يزال يتردد على ألسنة ابناء القبيلة آيث شيشار، كعار لحق العائلة ولا يزال يلاحقها وسيبقى كذلك ما لم تتغير الخارطة السياسية بالمنطقة، وانقلاب باقي أفراد العائلة من احفاد الشيخ على التاريخ الفضيع لها وإطلاق صرخة مدوية في تاريخ المنطقة كما فعل الخطابي وهو ينقلب على إسبانيا والمخزن مباشرة بعد مقتل المقاوم الريفي محمد أمزيان إبن مدينة ازغنغان .
" النايب " كما يحلو للناس تسميته إلى يومنا هذا، هو وليد 1864 ورحيل 1950 بعبدونة، تعتبره إسبانيا بمثابة منقذ مليلية مرتين، الأولى مع إنتفاضة المقاومة 1909 وبقاء كتيبة الكاسادوريس أشلاء فوق صخور برّانكو ذيل لوبو يوم 27 يوليوز، والثانية عام 1921 وبالتحديد يوم 24 يوليوز أي يومين بعد مشيع خبر إنتحار الجنرال سيلفيستري، وهذا عند إعتراض الأخير (النايب) عن غـزو مليلية لدى محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي وقف بجيشه العرموم فوق مشارف سيذي احمذ رحاج ينتظر ساعة الحسم التي لم تأتي ابدا، قبل أن يتراجع أمام هول الخيانة وحجم الدم الذي كان سيجري وديانا حمراء عنوانها الإنتقام، هذا التراجع سيصبح خطأ سياسيا وعسكريا فادحا في مسيرة الخطابي القصيرة بسببه، رغم أنها دوت عالميا وأعطت له زخما سياسيا وفكريا قل نظيره في عالم كبلته الإمبريالية وقتها، وما تزال الرأسمالية تنخر شعوب الدول المستضعفة والمسلوبة السيادة مثل الريف الجريح .
إنتهت الحرب الإسبانية بالريف بقوة الأسلحة الكيماوية التي قصف بها شعب الريف، وأبيدت بذلك آلاف العائلات بأطفالها وشيوخها ونسائها، وأبيدت المحاصيل، وأبيد الحاضر والمستقبل بالدرجة الاساس، لتبدأ إسبانيا حربا أخرى في أعماقها وبين بني جلدتها، راح ضحيتها الآلاف من الشباب أقل من ثمان عشر سنة، فيما الرجال ابيدوا في التطاحن بين الجمهوريين والملكيين الذين وجدوا انفسهم مرغمين على القتال في الصف الخطأ تفاديا للتصفية، وهنا سيدخل الحاج عبد القادر الطيب مرحلة تاريخية أخرى، بدخوله إسبانيا على رأس كتائب شديدة البأس مكونة من ابناء القبيلة آيث شيشار ومزوجة وباقي مناطق قلعية، سيدخل النايب إسبانيا في يوم من أبريل 1937 ، ويتوجه من الجنوب إلى الشرق، ثم يبسط بقواه على الوسط، صعد إلى الشمال ثم إلى الشمال الشرقي، لينهي إلتهابات حربية أدخلت إسبانيا في فوهة نار مشتعلة بدون مصير . ثم يعود إلى معقله بالجنوب منهكا بعد أن سجل حضوره بهذه النقط بكثير من الرهبة والرعب والكبرياء، ليقرر في يوم ثلاثاء السادس من ابريل أن يدخل فاتحا منطقة خيريز الحدودية.
فبفعل طوفانه بإسبانيا على رأس قوة عسكرية هائلة معظمها من ابناء الريف الجريح الذي تركوه وراء ظهورهم، عرف ابناء منطقة خيريز من هو الزائر الذي سيحل عليهم، الأمر الذي جعل حاكم ساحتي إنرّيكي فرنانديز و رودريكيز ذي ارّيانو، يعلن ذلك اليوم الخاص بالزيارة كيوم عطلة من أجل الوطن، أعطيت فيه الأوامر للتجار بإغلاق محلاتهم ، وتم النداء في الأهالي من اجل النزول إلى الشارع والإصطفاف لرؤية الحاج عبد القادر الطيب، هذا المنقد غير المألوف، بعد ذهاب جروح فقدان الأبناء والأزواج والآباء قبل 17 سنة في كارثة أنوال والعروي، النايب صديق إسبانيا يحل عليهم في أبهة وحلة بيضاء تشع على صدره ثلاث ميداليات من تاريخه العسكري المشوب بالخيانة عند أبناء ملته، وبالصداقة عند ابناء راينا لا كاطوليكا التي حصل على واحدة من ميدالياتها المنمنوحة له من قبل الملك ألفونسو الثالث عشر عام 1924 .
شيخ قبيلة آيث شيشار وهو يقف أمام الجماهير، لم تكن تنقصه التصفيقات الحارة ولا التبجيلات المفترض توجيهها لشخصه، ولم ينقص من قيمته المؤسساتية شيء، بل زاده الأمر ترقية أخرى على ما كان عليه، خاصة أنه عين نائبا للفيزيز الأكبر ( بن عزوز ) على قبائل قلعية من أجل بسط مزيدا من السيطرة لصالح إسبانيا. في ذلك الثلاثاء الذي ستعرف فيه منطقة خيريز حمولة تاريخية، سيصعد النايب عبد القادر الطيب على منصة أقيمت على شرفه من قبل دونيا بيترا ذي لا ريفا أرملة دومشق ، ليعلن عن إنطلاق جولته بشتى أنواع البهاء العسكري، بعد أن قدم القائد بينيطو ريكو لمنطقة خيريز تحيته العظيمة للنايب، وتبدأ سيارته بالتحرك وهي مرفوقة بأربعة مع عظام الخيالة على جنباتها ويتم الترحيب به على غير العادة ليمنح تعظيما وتبجيلا أكثر من الملك نفسه في زياراته للمنطقة.
وداع النايب لإسبانيا سيسجل بخط عريض على صفحات الجرائد الإسبانية بعد مغادرته، خاصة مستشاره المطيع الذي رافقة على طول رحلته التي دامت لشهر، القبطان والصحافي أنطونيو أوميلدا الذي ودعه من على أولى صفحات الجريدة ( ABC de sevilla)، تحت عنوان عريض "رب الرومانسية"، كما لم تحتمل كامل إسبانيا إقتراب موعد رحيله عن الحياة، عندما أوصى شيخ قبيلة آيث شيشار بدفنه في مقبرة عبدونة، ويحضر مأتمه القائد العام على عجل بعدما تم إخباره برحيل صديق إسبانيا، والخائن في الموروث الثقافي لأبناء الريف عامة وآيث شيشار بشكل خاص.
وهكذا تم توديع صديق إسبانيا في نظر الإسبان، والخائن النايب في نظر ابناء ملته، يوم 9 نوفمبر 1950 بمثل ما جاء في مرسوم لفرانسيسكو فرانكو، كما كشف الجنرال فاريلا عن سبب موته التي تسبب فيها الكونسير (السرطان) ، وهو الذي ترأس مراسيم الدفن على رأس ألفين من جنود إسبانيا، يتبعهم أبناء الآباء الذين أنقذهم (النايب) من موت محقق عام 1921 يعزون المنقذ الذي ما كان ليخطر على بالهم أن يعرفوا مثله يوما فيما ترويه الحكايات عن حرب الريف والريفيين بشكل خاص، وفي خضم هذا الحدث، تنكب مليلية كلها في عزاء عام حداداً على رحيل منقذها الذي ضل وفيا لقسمه حتى مماته .









مواضيع مشابهة :

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة ©2013